بقلم/ خالد محمد شعبان
تُعدّ الكتابة مظلةً معرفيةً كبرى تندرج تحتها تصنيفات وفنون شتى، فهي في جوهرها تشبه مصطلحي “الرسم” أو “التصميم” في شموليتهما، ومن أبرز هذه التصنيفات: الكتابة الإبداعية والوظيفية والصحفية وغيرها.
وتتفرع الكتابة الإبداعية بدورها إلى فنون متعددة منها: الشعر والقصة والنثر، حيث ينبثق عن كل فن منها أنماط وأشكال لا حصر لها من التأليف.
قاعدة الحدس والمنطق
تتباين منهجيات التأليف تبعاً لنوع الفن الذي يمارسه الكاتب؛ فصياغة الشعر تختلف جذرياً عن إعداد التقارير، ومع ذلك ثمة قاعدة عامة تحكم عالم الكتابة بلا استثناء، وهي الموازنة الدقيقة بين “الحدس والعاطفة” من جهة و”المنطق والعقل” من جهة أخرى.
تتطلب كل مدرسة كتابية توازناً خاصاً بين هذين القطبين؛ فبينما يرتكز الشاعر بشكل أساسي على حدسه وتدفقه الشعوري، فإنه يحتاج للمنطق لضبط إيقاع النص وأوزانه وقوافيه وفق أسس علم العروض، وفي المقابل يميل الباحثون إلى اعتماد المنطق والمنهجية العلمية كأساس للتأليف، لكن أبحاثهم لا تخلو من الحدس الذي يتجلى في أسلوب العرض وبراعة الصياغة وترتيب الأفكار.
جذر معضلة “السدة الكتابية”
ينشأ التعقيد في عملية التأليف من ضرورة ضبط هذا التوازن بناءً على الجنس الأدبي أو النوع الكتابي، وتبدأ مشكلات الكتابة عادةً عند حدوث اختلال في هذا الميزان؛ فإذا حاول كاتب القصة مثلاً الانكفاء على عقله ومنطقه فقط لجعل الحكاية “محبوكة” بواقعية مفرطة، مهملاً حدسه وإحساسه بالإيقاع والسرد، فإنه سيواجه حتماً ما يعرف بـ “السدة الإبداعية”.
يعود ذلك إلى أن مطالبة العقل بإيجاد مسوغات منطقية بحتة لكل تفصيلة في العمل التخيلي أمرٌ شبه مستحيل؛ نظراً لتعدد الاحتمالات التي يعجز المنطق وحده عن معالجتها، ومن هنا تظل الكتابة القصصية فناً حدسياً في المقام الأول، يتدخل فيه المنطق كأداة لضبط الواقعية وترتيب الأحداث ومعالجة التفاصيل التقنية فقط.
تعرف على قلمك
لحل معضلة التوقف عن الإبداع يجب على الكاتب تحديد “ميزان الحدس والمنطق” الملائم لنوع كتابته، وتقرير أيهما سيمثل “الأصل” وأيهما سيكون “المكمل”.
إن اختيار طرف واحد من المعادلة وتجاهل الآخر يؤدي لنتائج مشوهة؛ فالاعتماد الكلي على المنطق ينتج نصوصاً جافة وباهتة تفتقر للروح، بينما يؤدي الانقياد للحدس وحده إلى نصوص هلامية غير مفهومة.
إن المقصود بالحدس والمنطق هنا ليس “المحتوى” ذاته، بل “طريقة تفكير الكاتب” أثناء عملية الإنشاء. وتتلخص فلسفة هذا المقال في النقاط التالية:
ضرورة التوازن: لابد للكاتب من المزاوجة بين الحدس والمنطق وفق ما تقتضيه طبيعة الفن الذي يمارسه.
الأبحاث العلمية: يتجلى المنطق فيها عند سرد المعلومات والحقائق، بينما يبرز الحدس في كيفية ترتيب الفقرات وعرض الأفكار وهو أمر يختلف من كاتب لآخر.
الطبيعة البشرية: يعكس هذا التوازن طبيعة الإنسان التي تدمج بين العقل والعاطفة؛ فحتى أكثر الروايات خيالاً وتجاوزاً للواقع، لابد أن تمتلك منطقاً داخلياً خاصاً تقوم عليه.






المزيد
الصيام: المعاني النفسية والروحية والتأثيرات على الحياة
رمضان فرصة… فاغتنمها
الكلمة أمانة