مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

المتاهات الاجتماعية… بين انفراد الحياة وتعقّل الذات دون الالتفات لعيون الناس

كتبت خيرة عبدالكريم:

ليست المتاهات الاجتماعية جدرانًا من حجر، بل شبكات غير مرئية من التوقعات والأحكام والضجيج. ندخلها منذ لحظة الوعي الأولى، نحمل أسماءً وأدوارًا، ونمشي بين ممراتها محاولين ألا نضيع، أو لعلنا نخشى أن نجد أنفسنا إن ضللنا الطريق.

في هذه المتاهات، يتقاطع صوت الداخل مع صخب الخارج. الناس لا يرونك كما أنت، بل كما ينبغي—كما اعتادوا، وكما يريدون. وهنا تبدأ الحيرة: أأصغي لنداء الذات أم أستسلم لخرائط الآخرين؟ أأختار انفراد الحياة حيث الصفاء والمسافة، أم أذوب في الجمع طلبًا للقبول؟

الانفراد ليس هروبًا، بل شجاعة. أن تجلس مع نفسك بلا مرايا الآخرين، أن تسمع أفكارك عارية من التصفيق أو الاستهجان. في العزلة تتعرّى الأقنعة، ويهدأ الارتباك، ويصبح التعقّل فعلًا يوميًا لا شعارًا. هناك، تتعلم أن رأي الناس موجة؛ تعلو وتخفت، وأن قيمتك ليست قاربًا ينجو بالتصفيق.

التعقّل—حين لا يُؤخذ بعين الناس—ليس تعاليًا ولا قسوة، بل اتزان. هو أن تعرف متى تسمع، ومتى تمضي. أن تزن الكلام بميزانك، لا بموازين السوق. أن تختار الصمت حين يصبح الكلام ضجيجًا، والكلام حين يصير الصمت خيانة للذات.

ومع ذلك، ليست الدعوة إلى قطيعة كاملة. فالإنسان كائن اجتماعي، لكن الاجتماعي لا ينبغي أن يبتلع الإنساني. الحكمة أن نمرّ بالمتاهة دون أن نصبح جزءًا من جدرانها؛ أن نستخدم إشاراتها دون أن نفقد بوصلتنا. أن نرى الناس، دون أن نعيش في أعينهم.

في نهاية الممر، لا ينتظرنا تصفيق ولا لافتة. ينتظرنا فقط شعور خفيف بالسلام: أننا عشنا كما نفهم، لا كما يُفهم عنا. وأننا حين اخترنا الانفراد، لم نغلق الباب على العالم، بل فتحناه على ذاتٍ تعقّلت، ومشت بثبات، ولو وحدها.