فراشة غزة؛ فتاة المخيم

Img 20240524 Wa0133

 

كتبت: هاجر حسن 

 

في عالمٍ مليءٍ بالحروب والظلم، يكون الأمل هو النجمُ الذي يُضيء الليل الحالك.

تنظرُ إليها وكأنها فراشةٌ رقيقةٌ، طفلةٌ في جسد امرأةٍ، تشع الطيبة والرحمة من عينيها.

مرحةً تحبُ الحياة، تنشر البهجة والسرور بعفويتها ومرحها على كل من حولها.

قد تظن حين تراها وكأن نسم الهواء أن مرت بها قد تُؤذيها.

لديها قلبٌ قويٌ لا يعرفُ اليأس له طريقًا، وعقلاً ناضجًا، حكيم عند الحق عنيدًا.

بها من البساطة ما تُؤثر به القلوب، يُحبها الكبار ويعشقها الصغار، كأنها منبع مياه ينبع بالخير فتروي كلا من حولها بالخير والحياة.

كان بيتها يشع من شُرفته أبهى ألوان الزهور والنباتات، ورائحة البخور الطيبة التي تخرج من النافذة لتملأ الحي برائحةٍ ذكيةٍ طبيةٍ سموها على اسمها “عطر بيسان”.

لكن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن، في غمضة عين تحول بيتها إلى رماد، فقدت الأسرة بأكملها عدا بيسان، دفنت الزهور تحت الأنقاض، ذهبت رائحة البخور الذكية، وانتشرت رائحةُ الموت في الأرجاء.

إنها الحرب، حرب غزة التي تغير كل شيءٍ دون سابق إنذار.

حلت بها الفاجعة التي غيرت بها كل شيء، تحولها مرحها إلى صمتٍ قاتمٍ، تبدل حُبها إلى الحياة إلى اشتياقٍ لموتٍ يجمعها بأهلها، هشت قُوى قلبها.

تبدل بيتها الجميل إلى مخيمٍ صغيرٍ بالكاد يكفي جسدها.

تسلسل اليأس نحو قلبها، إلا أن رأت في منامها أباها يقفُ أمامها، يُخاطبها معاتبًا لها عتابٌ خفيف قائلٌ: “بيسان الجميلة، ابنتي ذات الروح الطفولية، والقلب الحنون القوي، غزة منذ القدم لم تعرف لليأس سبيلاً تُناضل، تُكافح من أجل حُريتها بلا كللٍ، وأنتِ قوية مثلها.”

فاقت بيسان، وكأن وجها يشعُ ضياء، داخل عينيها لمعة تحدى وعزيمة لم يسبق أن توجد بها.

جمعت بيسان جميع أطفال المخيم، وصنعت لهم بأدواتٍ بسيطةٍ حلوى غزل البنات، أحاطتهم بالأمل وزرعت في نفوسهم بهجةً قد كانوا فقدوها منذ شهور وأيام. كانت تُنشد لهم أناشيد الحرية، تُعزز في نفوسهم الصبر والأمل بالنصر، حُبُ الحرية، والنضال أمام الأعداء.

مع شروق كل صباح، تستيقظ بيسان وتساعد الكبير وتعطف على الصغير، تقوم بتوزيع الطعام والماء، تقدم الدعم للجميع. عند الغروب تجلس مع الأطفال تروى لهم قصصٌ عن الأمل والصمود وقصصٍ أخرى طفوليةٍ خياليةٍ تُبهج روحهم ، تراجع معهم الحروف والكلمات، تعلمهم أهمية القراءة والعلم.

أصبحت بيسان كفراشةٍ خلابة، بأجنحة نسر قويٍ، لم تأبه للحرب، ولم تهب الأعداء، تُحلق بحريتها عاليًا، تنشر الأمل في أنحاء المُخيمات.

أصبحت رمزًا للشجاعة، لقبها الجميع “فتاة المخيم” أو “فتاة غزة”.

استمرت بيسان في النضال من أجل حُرية وطنها، قد تكون الزهور ذبلت ودفنت، والبيت أصبح مخيمًا صغيرًا، لكن قلبها لا يزال ينبض بالأمل والحب، تنشر الخير بكل مكانٍ، تثبت أن الإنسانية الحق لا تقهر.

عن المؤلف