عندما لن يعد الأمر مهمََا

Img 20240331 Wa0033

كتب: يسري الصغير

طريق الإسكندرية_كفر الشيخ الزراعي

يوم السبت، ٣٠ مارس، العشرون من رمضان.

 

حاولت أن أضع عنوان ملفتََا إليك لعل فضولك يأذن منك بعض الوقت لقراءة ما أكتب، لكن الأمر، يا ولدي، أن والدك يريدك أن تقرأها، وهذا ما يهم فيما سأكتب حتى النقطة الأخيرة. و أن المصاعب، يا صغيري، إن أمتزج بها الإيمان و الاعتقاد بأنها جزء من الرحلة لتكون جزء من شخصه و تشكل أباك الآن وما سيكون؛ لكني أبيتُ أن أتي بك في الحياة قبل أن أعجزك أن تكون مثل والدك، ولن تكون.

 

لا داعي لذكر السنة التي أخط فيها سطوري تلك، لانها أيام دوال، يشبه العام سابقه و لاحقه، فلا يهم.

 

سأكتب هنا في تلك الرسالة جانب من حياتي الجامعية و التي أعيشها الآن، أريد أن أخرج ما بداخلي من حزن وضيق و شعور بغربة في مكان أخر، فكما تعلم أن والدك كان يسافر و يرتحل ليتعلم في محافظات أخرى غير محافظته الإسكندرية. كل شئ بدأ بقرار و تعنت لأدرس في جامعة و كلية أفضل من أولائك في محافظتي، وإن كنت تتسائل لما “أفضل” فلكل مجال علمه ولكننا لا علم لنا به و أنه حكم غير عادل، فقد أصبت، أو لنقل أني كنت أعلم أني سألتحق بها، لكني لم أكن على بصيرة بها، فكان لساني يردد بإسم كلية الألسن حينما يُسأل عن رغبته في مجال معين وهو لا يعلم ما يقول حينها؛ فكان ينطق بإسمها تحاشي قيل و قال عن فقدان شغف وتحقيق مراد.

 

التحق هذا الصبي بكلية الألسن جامعة المنيا يوم الرابع و العشرون من أكتوبر لعام ألفين وعشرون.

ولعلك تسائل النفس وما دخلي ودخل والدتي بما أقرأ الآن، لكني إن كنت أروي شئََ فسيكون مختلف، متباين، متباعد عما في خيالك هذا؛ وذلك أن حياتي الجامعية لم تكن بتلك الرفاهية التي تتنعم بها أنت الآن.

فكرت مليََا في أن أغير عنوان ما أكتب إلى جانب من جامعيتي، لكن ذلك الاسم فوق، يعود عليّ بذكريات مما أحكي عنها.

 

أتذكر ذلك اليوم: قبل موعد الرحيل بثلاث ساعات، وقد حضرنا حقيبتان سفر: واحدة على الظهر، و أخرى كبيرة سوداء لتجر على الأرض، ولأخبرك أن تلك الحقيبة تدمرت بعد أول سنة من جامعيتي. كنت قد أغلقت الحقائب لأرفع رأسي لأجد عيون المرأة الوحيدة في البيت، جدتك، هاجها استعبار و أنهمرت تلك العبرات على مُحياها هذا الذي أعشق، و كأني أودع العالم وليس المنزل، أنفطر فؤادي حينها و أخذتهم بالأحضان، و أجمعها لأن أخوتي هم أيضََا بنفس حالتي. كنا كوحدة واحدة لا تتجزء أبدََا، حتى ذلك اليوم المشئوم الممنون.

 

ارتحلت إلى المنيا، وسط مصر، أو عروس الصعيد، وكان البعد بينها وبين إسكندريتي حول أربعمائة و خمسون كيلومترََا، سأمضي و أتغضى عن بعض التفاصيل المهمة الملهمة بالنسبة لي، لعلي أحكيها لك في غير مناسبة، بإذن الفتاح الرزاق، ولتلك الأسماء بالنسبة لوالدك حب خاص في قلبه، وإن كنت أوجه بنصيحة إليك: الزمهم على لسانك تجد سحرهم في فؤادك و عقلك.

 

أمضيت أول ثلاثة شهور في بكاء، اكتئاب، وحدة شديدة، قهر رجل أو أفضل أن نقول قهر فتى، لأني كنت بعمر السابعة عشر و شهر و ثلاثة وعشرون يومََا، كنت صغير عمن حولي وأصغرهم بعام أو يزيد.

كنت ذاك الفتى الذي لا يركب حافلة إلا ومعه من يرافقه. لآن متفرد، وحيد. تسع ساعات فتى صغير بسماعة في أذنه، يستمع إلى موسيقى آلان ووكر، رائعة وقعها على أذنه حتى في كبره.

 

ثم يهون حدة الغربة جنود من ربك على هيئة رفاق و أخلة، منهم: أنس رفيق الدرب و الفؤاد و عبد الرحمن الذي لطالما أناديه “عبده” و أعلم أنه يكره أن أناديه به، لكن لا سلطان على لساني عندما أناديه، فلا أنطق إلا بذلك الصوت على هيئة كلمة تتشكل في فضاء كوكب الارض لتكون “عبده” فتنزل على أذنه فتنكمش لها جبينه، وتضيق لها عينه، ويرفع لها منخاره، كما لو أن شخص ألقي عليك جملة ” صائم أم مثل كل سنة”، وغيره من الصحاب و رفاق القلب الذين يحتاجون إلى مجلد لأكتب عنهم وعن حبي لهم. فنعم الصحاب المنياويون و الأسايطة و البنهاويين.

 

الآن أدفع ثمن قرار، سأدفع ثمن غيره لاحقََا: وهو أن الشوق يموج بقلبي أن أقابل عائلتي الباكية في غيابي على حد ما أخبروني هم، وكأني تحت جدث رحلت، لكن الغربة صعبة، مورقة، قاتلة لحنين القلب؛ فأنزل يوم الخميس وكنت قد حجزت تذاكر القطار قبلها بأسبوع واحد على الأقل لأجد مكان آوي إليه لأرجع، و أرجع صباح يوم الأحد، قبل محاضرة النصوص الإسبانية العامة، التي كنا نتعلم فيها عن بطة الترعة، ومهرج سرك الشمس. فكان والدك يرى أحباب قلبه يومين تقريبََا، إن لم ينم واحد منهما من مشقة السفر، الذي لم يقتصر أبدا على قطار، بل زد عليه قطار لمحطة القطار، و عربة” مشروع أو تاكسي” لأصل إلى المدينة الجامعية، منطقة الجيش المصغرة، على حد قول رئيس مبنى (و)، محمود، الذي كنت أقيم به.

كان إذا دخل شهر رمضان، كنت أحضر لسحوري و إفطاري في قطار لا مواعيد له غيرها كان رقمه ٩٣٥ وأخر ٩٣٤، وأحتفظ بكل تذاكره حتى يومنا هذا، لعلي أريها لك عندما نتقابل، فكنت أتناول و أتشارك طعام سحوري في صمت تام مع من بجواري، إن احترم رغبتي في صموتي، و إن كان لسانه يضايقه يود الحديث و يجره لقيل وقال، فكنت أخبره بأني أود النوم، فأفاجئه و أعطه صدمة أني لا يعنيني مثقال ذرة ما تقول.

 

أكمل في سلسلة من القرارات التي أتحمل عواقبها أنا: مشقة، سفر، يأس، تعب جسدي، ونفسي، وأذكر أني حكيت لطبيبي النفسي أني أعاني من وجع الغربة، فلم يفعل شئ إلا أن كان ينظر إليٌ و به ابتسامة خفيفة، وكأنه يستهزء بوالدك، لعله ذاق مرارتها وحلاوتها، لا أعلم ولا يد لي على الجزم.

أخترت أن أغير كُليتي بعد عام دراسي كامل، نفس مدرسة رفاعة، لكنها في كفر الشيخ، أكثر جمالا من الداخل و الخارج، لكنها لم تحظى بحب والدك لمثيلتها في المنيا.

قرار تحويلي إليها لقنني عواقب سفر خمس ساعات إذا ذهبت إليها، و خمس أخرى في عودة، ناهيك عن طريق أبعدك الله عنه، لما به حوادث وملل و مشقة و عجوز بجوارك يحك كتفه بكتفك، ويأخذ ثلاثة أرباع كرسيك، وإن وددت أن تخبره أن يفسح لك، رد عليك بلهجته تلك التى لن تفهم لها قولََا: “أعملك إيه يا حبيبي، أروحلاااك فين أني”. فصمت ومشقة أفضل عندي من صوته الرخيم الغير مفهوم و أنا صائم وليس بحوذتي لا ماء و لا حبيبات الصداع الصفراء.

أبيت أن أخذ مكان في مسكن الجيش المصغر التابعة لجامعة كفر الشيخ، لأن أخر مرة كنت بها انهالت عليّ أمراض نفسيه عبثت بشخصية أبيك فغيرتها؛ فأراها أنا إلى الأحسن و الأحكم، عما يرى غيري عكس ذلك.

 

استيقظ الثالثة و الربع، إن حدثت المعجزة و أخذني النوم قبل معاد المحاضرات، لعله مرض متفشي في كل من يسافر من محافظتي إلى كفر الشيخ، لانه ما وجدت عليه صديقي ومرشدي أشرف، يكبرني بعامين، وهو ما عرفني قبل أن أعرفه، وإن كان كنت اعرفه شكلََا، لا اسمََا. أعود إلى المنزل قرب الخامسة أو السادسة، و إن لم أجد مشروعََا في محطة إنتظار العربات، التي لا يراع حين مجئ عربة لا عمرََ ولا صغير ولا أنثى ولا حامل، الكل نفسي نفسي، وهذا ما أنا عليه، جرب أن ترجع من سفر ولا تجد إلا عربة واحدة، وقد تكالب عليك جسدك و نعاس يفتك برأسك، و أمامك نساء، فماذا تختار، و إن فضلت غيرك؛ فهذا أنك لا تشعر ما يُشعر حين إذ.

لم أكن مثل أولائك طلاب العلم الذين يستيقظون قبل المحاضرة بساعة و يستقلون ما يستقلون فيصلون ببال رائق، صافي، خالي من نواغظ السفر وهمه.

 

لم يتغير وضع الصيام في دراستي في كفر الشيخ، بل إني كنت أحضر معي من الماء و طعام خفيف و بضع التمرات في حقيبتي السوداء التي أضعها الآن على قدمي. عام، اثنان، ثلاثة، في طريق كفر الشيخ هذا، أكاد أجزم أني تعلمت اللغة الإسبانية، ونميت مهارة الكتابة عندي، وذاكرت، وبكيت، وفرحت، و تأملت في خلق الله من النافذة وأنا في تلك العربات الكاسرة للظهر.

 

كان لدي ثقافة أستغلال الوقت، و كان يعطيها ضوء لينيرها نصائح معلمة الأدب بالجامعة أو ما نقول أنها دكتور، لنوفيها حقها من مشقة دراسة و تحضير الدكتوراة؛ فكانت تطلق النصائح باستغلال الأوقات الميتة المميتة تلك التي تكون في المواصلات، ألتقفتها أنا، ولا أعلم إن فعل غيري من صغار السن ممن حولي الذين قد لا يرون في التعلم غير دراسة المنهج و دخول الامتحان، غير ذلك فهي ليست مسئوليتهم.

ونبهني لاستغلال الوقت الميت هذا ذلك الصديق الذي يكبرني بعامين، بعد أن أسمعني من هاتفه مقطع يتحدث فيه ملك إسبانيا عن سيدي بشر في الإسكندرية.

وقال لي أن أخصص ذلك الوقت للإستماع وتنمية مهارته اللغوية، وكانت نعم نصيحة.

 

الآن وبعد أن تبقى لي، يا صغيري، شهر أو شهرين و أتخرج في تلك الكلية، آُمن أن الله يعدني لشئ أكبر، لرحلة أكبر يتثناها الغربة، وصدقني أني ممتن لتلك الايام بحلوها و مرها ولا أبالي، وهي حكمة الله، وأنه لا رد لقضاء الله إن اراد بعبده الفقير الضعيف خيرََا فلا ممسك لرحمته ولا ضار له. وتذكر، يا صغيري، أن الله يحبك، وإن رأيت شر، فهو شر بالنسبة لك فقط؛ لأنك لا تفقه للحكمة مسلكََا.

 

و السلام لفؤادك، حبيب الفؤاد.

 

عن المؤلف