أنهار ذكرياتهم

Img 1953

كتبت: كاري الغزالي 

غارقةٌ بينَ أنهار ذِكرَايَاتِهم، هاجروا روحِ، وأفعالهم تآبىٰ الرحيل..

اليوم قد إقترفتُ أعظم ذنبٍ في حق روحِ، وكأنني مَريضة لا تعىٰ ما تفعل، وقامَت بقطع شُريانها، وبَعد إفاقتها نظرت لندوبها ولم تُدرك لِمَ فَعلت ذلِكَ بنفسها، وها أنا الآن مِثلها، مَرت علىٰ إفاقتي ساعاتٌ وما زالت لحظة الإدراك لم تأتي بَعد، كل ما أتذكرهُ أنني كُنتُ كَباقي الليالي السابقة، أجلس برفقة أفكاري، كَم مِن مَرةٍ قُلتُ بِها أنَ رِفقة الأفكار أنقىٰ مِن رِفقة الأشخاص، أتراجع عَن مبدئي الآن وأقسم أنَ الإثنان وجهان لعُملة واحدة “الذِكرايات” وأثناء الغرق في هذا النهر المُظلم، تمردت أفكاري عليّ وقادتني إلىٰ أعمق نقطة في هذا الظلام، ووجدتُ نَفسي أتحرك بدون وعي، هذا الجانب بِهِ صناديقٌ تَحمل أشياءٌ مُشتركة بيننا، وبِهِ أيضًا بعض الهدايا لأشخاصٌ هاجروا الحياة بأكملها، وأشياءٌ ظننتُ أنَ أصحابها سوف يبقون مَعي للأبد ولكن، ما هما سوىٰ فترةٌ لكي أتعلم الدرس وأحرم الثقة المُبكرة، ولكن هذا القلب الذي حُرِمَ مِن الإحتواء مِن أقارب الدماء، أصبحَ مُتعطشًا للإهتمام، ولا يهم مِن مَن؟ المُهم أنه يُقابل مَن يَسمعهُ، ويُشاركهُ، حتىٰ وإذا كانَ غريبًا، تعطش قلبِ للإحتواء جَعلَ مِنهُ مَقبرة لِذكرايات العابرين عَليهِ، وها أنا آمنت لمَن ليسَ آمان لهم، أحببتهم، وأصبَحت لهم كتابٌ لا ينغلق، يُقلبون في صفحاتِه مِثلما شائوا، وفي النهاية زهدوا أحاديثي المؤلمة، وزهدوا حياتي البائسة، وأفتعلوا مِن الآلام ما لا يداويه الطب، وهاجروا، والآن أنا الباكية الناحبة أمام خزائن ذِكراياتهم، يا لكِ مِن أفكارٍ مؤذية! لماذا أصبحتِ هذه الليلة مثل الشيطان الخبيث الذي تحلو لهُ الوسوسة في لحظات الضعف! ولا أدري كيف صار ولكن إمتدت يدي إلىٰ جوالي، وقلبتُ بِهِ إلىٰ أن وجدتُ ضالتي، صور وبعض المشاهد المصورة، وبعض المُحادثات، يوجد ملامح بريئة لا تنتمي لأفعالهم، وأفعالٌ عفوية لا تنتمي لنواياهم، مهلًا! هذا ملفٌ يحتوي علىٰ بَعض التسجيلات الصوتية لهم، يا الله ماذا فعلت بنفسي أنا! أصواتهم تؤلم قلبِ، ولكن كانت تشتاق الأذن لسماعها، لماذا هاجروا؟ الخطأ بي أم بهم؟ لماذا جذبوا هذا القلب الضعيف إليهم، ولماذا عاهدوه علىٰ البقاء إن كانوا لا يتحملون حالتي؟

أتأوه، وأنتحب، ودموعٌ تسيل بلا توقف، وعيونٌ أوشكت علىٰ النزيف، وروحٌ تحترق مِن وحدتها، وقلبٌ مُشتت بين السعادة مِن أجل إنقاذه مِنهم، وبين آلامه التي تثبت أنه لم يتم إنقاذه! وعقلٌ لا يُريد إستيعاب شيء، ومِن المؤسف أنه يتأمل رجوعهم، وعُمرٌ يمضي بلا رفيق، ها هيٰ لحظة الإدراك قد أتت وأعترف أنَ الخطأ بمَن بحثَ عن الحُب في أماكن خاطئة، الخطأ بقلبِ الذي أصبحَ مقبرة ذِكرايات.

 

عن المؤلف