يحيى بن زكريا الجزء الثاني

Img 20240315 Wa0082

كتبت: سحر الحاج 

حاول الملك كثيرًا بأن يقنع يحيی بإصدار فتوی تحلل له هذا الزواج، لم يرد عليه يحيی عليه السلام؛ بل وبخه وغضب منه لمثل هذا الفعل القبيح، وهذا يكون نشر للفساد ومخالفة للشريعة.

غادر نبي الله غاضب منه، حذر قومه من إفساد الشريعة التي جاء بها.

ثأر غضب سالومي، مما زاد من إصرارها علی قتل يحيی والظفر به، لم يستطع الملك رفض طلبها رغم احترامه وحبه لنبي الله يحيى -عليه السلام- ظلت تردد عليه كلما حاول الاقتراب منها،

ـ رأس يحيى في طست.

لم يرى هيرودس من طمعه في حبها إلا أن ينفذ طلبها المتكرر، وعدها أن يأتي به في يوم عيدهم على طست من ذهب، وكان لهم عيد وعرف عنه أنه ينفذ كل وعدوه التي طلبت منه؛ يقيم احتفالات ضخمة ويجتمع فيها أغلب القوم.

ظلت هيروديا وابنتها سالومي ينتظران رأس يحيى -عليه السلام- على أحر من الجمر، حتى تكسر تلك القوانين التي يمليها عليهم بجلساته بين بني إسرائيل كما تظن هي.

 

*****

في تلك الفترة العصيبة على الملك وسالومي، كان يحيى -عليه السلام- يبشر قومه برسالة عيسى -عليه السلام- وهو ملك في قومه النصاری ويجمع بني إسرائيل و يجلس بينهم ويذكرهم بالله دومًا كما يفعل، لكن كان هناك بعض اليهود لم يروق لهم نبوة عيسی، لما رأوا فيما فعله ملكهم قبل “الميلاد” في مجزرة “بيت لحم” ظنًا منهم أنه قتل في تلك المجزرة مع الأطفال،

بعدها ينطلق “يحيی” حيث خلوته المحببة له، سيره في الغابات والتأمل في ملكوت السماوات والأرض وأكله من ورق الشجر لخوفه من الذنب …

التقى هو وابن خالته عيسى -عليهما السلام- بعد أن بشر بنبوته بأيام، سارا يمشيان ويتحدثا سويًا، فكانت إمرأة تسير في طريقها، وفصدمت يحيی من كتفه فلم يشعر بها، فقال له عيسی عليه السلام:

ـ يا بن خالة لقد أصبتَ اليوم خطيئة، ما أظن أنه يغفر لك أبدًا.

قال متسائلًا:

ـ وما هي يابن خالة؟

جاوبه عيسی:

ـ أمرت صدمتها.

نطق يحيی عليه السلام قائلًا:

ـ والله ما شعرتُ بها!

تعجب عيسی عليه السلام يقول:

ـ سبحان الله! بدنك معي فأين روحك؟

بابتسامة جميلة هادئة زات من جمال ثغره أجاب:

ـ معلقُ بالعرش ولو أن قلبي اطمأن إلی جبريل؛ لظننت أني ما عرفت الله طرفة عين.

كان جواب كافي، لم يعقب عيسی بعده أكتفی بالسير معه. كان ينظر له بين الفينة والآخری مبتسم صبوحًا الوجه تعتريه راحة عجيبة عندما يكون مع ابن خالته ومبشر الناس بقدومه، قال عيسى ليحيی عليهما السلام مبتسمًا:

ـ استغفر الله لي أنت خيرٌمني.

أجابه يحيى عليه السلام يرد كلمته:

ـ استغفر لي فأنت خيرٌ مني.

رده عيسى عليه السلام يقول:

ـ أنت خيرٌ مني، سلمتٌ على نفسي وسلم الله عليك!

“فعرف والله فضلهما” سلام الله على يحيى يوم ولدته أمه ويوم يموت ويوم يبعثه الله حيًا يوم القيامة،

يكفيه أنه ليس ككل ابني آدم يخطئ ولم يهم بخطيئة إلا يحيی بن زكريا.

فكان هذا حالهما لا يملكان درهم ولا دينار ولا عبدُ ولا أمة وليس لهما مأوی يأويان إليه، عندما يجُنُ عليهما الليل أويا، لما حان وقت أن يتفرقاً يوصي كل واحد منهما الآخر، قال يحيی:

ـ أوصني.

قال له عيسی:

ـ لا تغضب.

رده يحيی قائلًا:

ـ لا استطيع إلا أن أغضب!

استطرد عيسی قوله:

ـ ولا تقتن مالًا.

أجاب متيقنًا:

ـ أما هذا فعسی.

بعد وصيتهما ذهب كل منهما يشق طريقه.

 

*******

جاء اليوم الموعود واستعد فيه جنود هيردوس لتنفيذ أوامره، وانطلقوا يعتلون جيادهم ليعلو صهيلها عاليًا، أصوات حوافرها تطرق الأرض بقوة، متجهين نحو محراب يحيی عليه السلام، وقف يصلي هو ووالده في المحراب،

سلّ الجندي سيفه من غمده؛ ليقضی علی نبي الله يحيی -عليه السلام- وهو قائم يصلي في المحرب ضرب عنقه بسيفه اللعين، ليقتل ذبحًا عليه السلام وتناثر دمه، من حوله لم يترك زكريا مكانه ولم يلتفت أبدًا كان ثابت حزنًا علی ابنه ولكنه كان يقف بين يدي الله -عز وجل- فأكمل صلاته، ليصب الحزن في قلبه صبًا علی مقتل ولده زور وبهتان وظلم.

سال دمه علی الأرض يقطر وكل قطرة تفور وتغلی في مكانها لم تهدأ من فورانها.

حمل الجنود رأس بني الله يحيی في طست ذهبي، وأتوا الملك مستبشرين بنصرهم وقتلهم واحد من أنبياء الله، ترسم وجههم علامات الخبث والمكر والحقد ولكن لم يدم نصرهم طويلًا…

 

هرولت سالومي فرحه، عندما رأت رأس يحيی في ذلك الطست، ظلت تنظر له والحقد يملا قلبها، وتلقي بنظرات الحب والأمتنان لهيرودس؛ حتی فزعو عندما سمعوا الرأس يتكلم ينطق بتكرار:

ـ هذا الزواج لا يحل.

حملت سالومي الرأس وذهبت به إلی أمها والفرحة تكسوا وجهها، وقفت أمامها تحمله قائلة:

ـ نفذ الملك مطلبي وها هو رأس يحيی بين يدي اليوم!

لم تكمل فرحتها ولم تنتظر ردًا من أمها هيروديا، حتی خسف الله بها الأرض أنشقت الأرض تبتلعها شيء فشيء وهروديا لا تصرخ مذعورة لهول ما تراه عيناها وابنتها تحضتنها الأرض صراخًة هي الآخری من خوفها وهلعها، لم يتبقی إلا رأسها، فأمرت هيردويا الخادم بقطع رأسها لتتسالی به، فأصابها الجنون فورًا، وكان الملك لا يسمع في أذنيه إلا قول يحيی “هذا الزواج لا يحل” بقی يصرخ حتی اعتلاه الجنون، فغضب “رب العزة” لنبيه -عليه السلام- فانزل عذابه علی كل من كان في القصر وخسف بهم الأرض جميعًا.

لم يتوقف الدم عن الفوران، كل بقعة من الأرض سال عليها دمه الشريف الطاهر، تفور وتغلی وكأنه نذير غضب وانتقام سيحلّ علی بني إسرائيل قتلة الإنبياء والرسل!

 

**********

انتشر خبر مقتل يحيی عليه السلام، بين قومه فغضبوا وحزنوا لموته بتلك الطريقة ظلمًا وزورًا، فكان زكريا متأثر بوفاة ولده الحصور التقي، لم يغمض له جفن منذ مقتله،

وعندما سمع عيسی عليه السلام بالنبأ فأصابه الحزن هو الآخر وقال غاضبًا:

ـ لم يقم في موالد النساء من هو أعظم منه.

واسی زكريا علی فقد نبي عظيم من أنبياء الله، ولم يدم حزنه كثيرا حتی جاءه الخبر بأن قوم اليهود يردون قتله كذلك، فقالوا ” نغضب لملكنا ونقتل زكريا، كما غضب ربهما ليحيی”.

فخرج هاربًا منهم، يجري في طريقه وهم يتتبعون أثره وراه، ليتنكر لهم الشيطان “إبليس” في هيئة رجل ويدلهم علی أثره،

فكان يمشي وراه يتبعه وعندما اقترب بنو إسرائيل من أثره، سخر الله سبحانه وتعالی لنبي الله زكريا الشجرة؛ لتفتح جذعها منادية عليه:

ـ هيا أدخل جذعي بأمر ربك.

فدخلها زكريا عليه السلام لتحضنه داخلها وتحتويه؛ أما إبليس اللعين لم تفته هذه الفرصة، حتی يری الشجرة وهي تضم نبي الله فأسرع يمسك طرف ردائه يخرجه من الشجرة، ليصدق حديثه بنو إسرائيل، عندما يسألونه عن مكانه، اقتربو من حيث الشجرة حين اختفی أثره وأضحو يتسألون؟ ويبحثون عنه!

ليظهر لهم إبليس قائلًا:

ـ هذا رداء زكريا، الذي تبحثون عنه ضمته الشجرة داخلها.

امعنوا النظر فيها وتأكده من صدقه لرؤية طرف ردائه خارجًا، تشاورو في قتله هل يخرجونه من داخلها؟ أم يحرقو الشجرة فيحترق معها؟!

يبتسم إبليس ابتسامة خبيثة ماكرة يقول لهم:

ـ بل أنشروه بالمنشار إلی نصفين.

أحبوا فكرته وأيدوها، وعزموا علی نشره وأتوا بمنشار لهم وقامو بنشر الشجرة إلی نثفين ونبي الله داخلها،

فجعل يئن من ألم، فغضب رب السموات والأرض وقال عزوجل:

ـ يا زكريا لئن لم يهدأ أنينك لأغلبن الأرض ومن فيها

فسكت أنينه وجعل الله روحه في الشجرة.

فشقوه شقًا عليه السلام وقُتل كما قُتل ولده، ولم تزل تقتل بنو إسرائيل أنبيائهم، في الصخرة سبعين نبيًا.

 

ولم يزل الدم يفور ويغلی حتی سمع إحدی ملوك “بابل” في ذلك الوقت وكان اسمه”نُبختنصر” فجاءته عجوز منهم تخبره عن ذلك الدم الذي يفور ويغلی، فألقی الله في قلبه أن يقتل منهم حتی يسكن ذلك الدم و الانتقام لموت أنبيائه، فاعد جيوشه وتوجه نحو الشام وقتل من بني إسرائيل خمسة وسبعين الف من سن واحده حتی سكن الدم تمامًا.

وهي دم كل نبي قتلوه.

وقف نبي آخر من أنبياء الله “أرميا” -عليه السلام- يقول:

ـ أيها الدم أفنيتَ بني إسرئيل فاسكن بإذن الله. فسكن الدم

فرفع السيف وهرب من هرب من أهل دمشق إلی بيت المقدس، فتتبعهم إليه وقتل منهم خلقًا كثيرًا لا يُحصون كثرًة، وسبا منهم ثم رجع عنهم.

 

تمت…

عن المؤلف