ثمن روحي رغيف خبز

Img 20240301 Wa0086

كتبت: هاجر حسن

كانت أكبر كِذبة، أننا تعلمنا أن لكل شيء في هذه الحياة ثمنًا إلا الرُوح، فهي لا تُقدر بثمن؛ فالحقيقة أن رُوح أُناس غزة ليس لها أيُ ثمن.استيقظت عندما بدأ بُزُوغ النور يتسلسل نحو عَيني، تَخترق أشعة الشمس الصامتة ثُقب خَيمتي، التي تُحاول جاهدة الثبات دون أن تتلاشي وَتَهدم فوق رأسي، من قُوة الرياح والهواء الذي يتلاطم بقسوة معها. 
لا أدري كمُ الساعة؟، فلم يعد أيُ منا في غزة يحسُب الوقت أو يهتم لأمِره، فباتت الأيام تُشبه بعضها، أيام تحسُب بعدد الموت لا، بعدد الساعات؛ 
سمعت أصواتًا مُتداخلة لِصيحات وهتافات، حاولت جاهدًا أن أُدرك وأترجِم صوت الحروف والكلمات، لأكون جُملة مفهُومة،
فمُنذ حين ولم تَسمع أُذُني غير أصوات الانفجار والصُراخ والبكاء؛ ها أنا أخيرًا فهمت الجُملة وترجمتها؛
يا الله لمعت عَيني فرحًا، نهضت من الأرض، لا بل تَطايَرت من أرضي، وخرجت من خَيمتي مُسرعًا، نظرت لعمي الشيخ أحمد، من شدة الفرحة والبهجة التي بدلت ملامحي دُون أن تنطق شِفاهي بحرف، نُطق عمي الشيخ أحمد، وقال: نعم يا صغيري ما سُمعت أُذنيك حقيقي، جاء الخُبز؛
هيا، اِستعد وأمضى سريعًا لتأخذ نَصيبك، فإن والدتك تكاد أن تفقد رُوحها من شدة الجُوع والمرض. 
هرولت مُسرعا نحو جُمُوع من البشر، أهلي، أحبائي، أُناس غزة الكرام الصامدون على الجُوع والعطش مثل الجمال، مثل الجبال، رجال ونساء، شُيوخًا وصغارًا، الكُل يَتَسابق بالخطوات يَتَسابق من أجل لُقمة عيش!!
يا لها من نُكتة سيئة تَبكي من كان له قَلب أو يملِك شُعورًا في ذاك الزمن الذي تحول كُل شيء بِه إلى جماد. 
وقفنا بِصفوف تكاد تكون مُنظمة، لا أتذكر سوي ضِحكة أُمي وأنا أخبرها، انتظريني دقائق وأتي لك بخبز طازج، يُدفئ مُعدتك حبيبتي من أثر جُوع قارص مرَّ بِك كالمنشار، لا يَتأنَّى أن يُوجعك مِرارًا وتكرارًا. 
تركتها ومضيتُ، نظرتُ حولي، جُمُوع من البشر يتهافتون ويتأملون وينتظرون رغيفًا من الخُبز، ليسد جُوعهم، ليشبعوا وينقذوا أرواح صِغارهم، رغيف من الخُبز، يا له من عارٍ على كُل مُسلم في كوكب الأرض يأكُل ويشبع، وترك أهل غزة، بُطونهم جائعة، بُيوتهم فارغة،

هكذا وجدت نفسي أهمس مُرددًا “حَسبِي الله ونعم الوكِيل”. 
لكن لا يَهُم، لا يَهُم، المهم في الأمر أن أخذ الخُبز وامضِي سريعًا نحو أُمي، لأنقذ رُوحها، هي؛ ما تبقي لي في هذه الحياة، التي أقسمت أن تأخُذ مني كُل شيء أحببته؛ 
تَنبهت من غَفلتي إلى صوت رجُل يُحدثني، أقدم وامسك رغيف خُبزك يا ولدي،
مددت يدي بسرعة وخفة، ومسكتُ رغيف الخُبز بأحكام بقبضة يدي، كأنَّه قطعة من أغلى وأنفس الجواهر التي امتلكتها في هذه الحياة، بل هو اغلي، فهو سيحمي لي رُوحا غاليتي. 
سرحت بمخيلتي بعيدًا، وأنا أتخيل ملامح أُمي وهي تأكُل وتشبع، ويجري عُرُوق الدم في جسدها، لِتنهض من جديد وتذهب عنها هذه الدوخة اللعينة من أثر الجُوع، التي لا تتركُ لها مجالا للنُهوض قط؛ 
إلا أن صوت صُراخ عالٍ، وانفجار، وأشلاء دم مُتطايرة على ملابسي، أيقظتني من مُخيلتي، حتى تصعقني بمشهد مرير لا يكاد أي عقل أن يستوعب مدى بشاعته. 
هكذا وجدت جُثثا مُتطايرة، يسقُط عليها رُفات الخُبز،
هكذا رأيتُ آخر مشهد لي في هذه الحياة، التي لم يرحمنا بها أي أُنسي، سقطت أرضًا من شِدة الضربة التي اخترقت جسدي النحيل، لتتطاير الدِماء منه ومِن فمِي،

نظرت إلي السماء، ورغيف الخُبز ما زال في يدي، حاولت أن أنهض، وأنا أُردد: أُمي أُمي؛ الخُبز لأِمي، ولكن لم يحملني جسديا أو يقدر على النُهوض. 
رددت الشهادة، رددتها، والدُموع تتساقط كالأمطار الغزيرة من عيني، تتساقط وأنا أُردد، اعتذر أُمي لم أُوف بوعدي، لم آتي لك بِلقمة عيش. 
أسفًا غاليتي؛ في هذه الحياة، كان ثمن رُوحي رغيف خُبز. 
هكذا انتهت وختمت القصة، ولكنها ليس بآخر قصة في غزة، التي يُسجل التاريخ ما يمُر بها، لتكن بصمة عارٍ على كل من كان في ذاك التاريخ، حيٌّ في هذه الأرض.

عن المؤلف