واقعي المرير

Img 20240226 Wa0096

كتبت: عفو رمضان 

اليوم أمسكت بكتيبي الذي صاغته أناملي بعنوان كيف تطوّر موهبتك في التأليف؟ خرجت من بيتي بعدما استيقظت باكرا، وكانت الابتسامة تزين وجهي، رغم أن هذا ليس معتادي، وهذا بفضل نومي الذي كان عميقا كنوم الرضيع في حضن أمه، فأمس كانت ليلة هادئة جدا، خالية من الصخب والضجيج المعتاد، فلم يكن منظم الحفلات الذي بجواري يمارس نشاطه كالمعتاد، حتى الشباب المزعجين الذين لا يفعلون سوى التسلية تحت نافذتي لم يظهروا، فاستحممت بابتهاج وارتديت أفضل ملابسي، ثم نظمت شعري، وثبته ببخاخ التثبيت، ووضعت كريم واقي من الشمس على وجهي. بصراحة، اعترف بأن ابنة أختي نسيت حقيبة تجميلها عندي، فقررت الاستفادة بما يصلح لي منها، وخرجت من المنزل، ولم أصادف جاري المزعج الذي يعيش في المبنى نفسه الذي أقطن فيه، لذا لم يتوجب عليّ التوقف ليشتكي من تسرب الماء من شقتي إلى سقف مطبخه. وسرت في شارعي بكل أريحية، فلم أجد أم فاروق ترمي ماء غسيلها كعادتها، فتعوق حركتي الصراحة هذا يوماً مثالياً كالسماء الصافية بدون غيوم، حيث اختفت العوائق جميعهم، وتبددت كل مشاعري السلبية يا إلهي، فقد وقف سائق سيارة أجرة خاصة، وطلب مني الصعود قائلاً “أتفضل يا بشا سأوصلك”، لكني بداخلي قلت باندهاش “باشا”، وأنا معي فقط خمسة عشر جنيهًا في جيبي، فأخبرته أنني لا أملك سوى خمسة جنيهات لأعطيها له، فعلي أن أجنب خمسة جنيهات لرجوعي، وخمسة جنيهات للزمن وعند سماع السائق لهذا المبلغ نزل من سيارته متجهاً نحوي، فقلت في بداخلي أن بذلتي سينالها بعضاً من الكسرات، فأغلقت عيني وحميت وجهي بيداي، ولكن على غير المتوقع فتح لي باب سيارته، وقال: يا باشا سأوصلك الحمد لله على نعمة الرضى. فركبت مندهشا، وقلت في بالي ما هذا الجمال كله والله لأضحى، وأعطيه خمسة جنيات أخرى، ثم وصلت إلى مكان المؤتمر بكل سهولة، ويسر فلم تعترضني حشود السيارات، ولا تنافس السائقين التي تزيد ازدحام الطرق بشكل زائد عن الازدحام المعتاد. فهل اليوم خصص كعيد للقيم؟ دون أن أعلم أم أخلاق الناس أخيرا قد تحسنت وعند بوابة المؤتمر وقفت وسألت الأمن إن كان بإمكاني الدخول، فأجاب مبتسما أن هذا المؤتمر مفتوح للجميع، وأن هناك بعض الأماكن ما زالت شاغرة، وأوصلني للمؤتمر وأجلسني بجوار طاولة صغيرة ذات كرسيين، وكانت تجلس بجواري فتاة شابة جميلة، وجرى بيني وبينها حديث شغوف حول كتيبي، وأبهرتها بشدة. وكان بجوارنا مدراء دور نشر مهمين، فكل دار لها تأثيرها الذي لا ينكر وإعلاميون معروفين. كانت الأجواء في المؤتمر رائعة، أُدِير المؤتمر بشكل مبدع ومنظم، وفي اللحظة الحاسمة طُلب من الحضور الراغبين في تقديم أعمالهم أن يتقدموا بها، ويتحدثوا عنها بشكل موجز. على الرغم من انتظاري لتلك اللحظة إلا أن جمدت قدماي في مكانهما، لكن الفتاة حملت كتيبي، وأشادت بجودته مشجعة لي، وجذبتني طالبة مني الذهاب لتقديمه والتحدث عنه، فقدمت كتيبي وتحدثت عنه في مكبر الصوت بكل ثقة وطلاقه، وبشكل غير متوقع، لم أشعر بأي انتقاد، ولم يقاطعني أي شخص أثناء عرضي لكتيبي، ولم يُعبر أحد بشكل ساخر عن انزعاجه من مواهبي أو مؤهلاتي، بل ترقبوا حتى انتهيت من عرض أفكاري، وتمنوا لي النجاح. وقالوا لي عدة عبارات إيجابية بناءة، مهتمين بمحتوى الكتيب ناصحين لي ببعض من التجويد لبعض من أجزاء كتيبي، وقدم لي عروضاً من دور نشر كثيرة منهم من يريد النشر لي، ومنهم من يريد أن أعمل لديه حتى صاحب مجلة معروفة أراد أن أنضم إلى دورات تدريبة لديه مجانا تشجيعا لي وهنا سمعت صوتاً بعيداً يقول: بابا بابا فنظرت اتجاه الصوت، فوجدت ابني وجيه فما الذي أتى به إلى هنا؟ ثم نظرت حولي، فوجدت كل شيء حولي يتغير إلى ملامح غرفة نومي بجدرانها المتهالكة الممتلئة بشقوق وابني مستمر في مناداتي وهو يهزهز جسمي بكفيه الصغيرين يخبرني بأن جاري المزعج يرغب في الحديث معي، ومن المؤكد أنه سيشكو تساقط قطرات الماء من عندي إليه، في حين أني أعاني دواراً شديداً. بسبب منظم الحفلات الذي بجواري، وأسمع صوت زوجتي يرن من مسافة بعيدة، تطالبني بالمصروفات، وتلومني عن عدم انتظامي في التخلص من أكياس القمامة لدينا. فعلمت أني كنت أحلم، وأنني انتقلت مرة أخرى إلى واقعي المرير، فذهبت إلى جاري عابسا متجهم الوجه كعادتي.

عن المؤلف