عشق السبعون عامًا

Img 20240205 Wa0213

 

كَتبَت: كَارِي الغَزَالِي. 

 

راقدةٌ على فِراشها في إحدى المراكز الطبية، شاردة الذهن في وضعها الحالي..

فقد تساقط شَعرها وبَهت لونهُ وأصبح يُطغىٰ عليه الشيب، وملامحها تبدلت بدراجاتٍ إلىٰ أن وصلت إلىٰ الدرجة القصوىٰ مِن التجاعيد، وعيناها اللامعة أصابها الضعف، وجسدُها قد ذُبل وظهرت عظامهِ، ها هي تِلكَ الفتاة الشابة قد مَر بِها العُمر، وأصبحت غير قادرة علىٰ الحركة وتحتاج إلىٰ مَن يُساندها، وأصبحت مُحاطةٌ بالأدوية بدلًا مِن مُستحضرات التجميل، وذهابِها إلى المَشفىٰ الآن أصبح أكثر مِن ذِهابِها للأماكن الترفيهية في الماضي..

إستمرت بالتفكير إلى أن راودها سؤلًا، كُل شيء قد تبدل بغيره، فمَن الباقي معها إلى الآن؟

وعِند هذا السؤال قامَ أحدهم بالطرق على باب غرفتها، وإستأذن للدخول، وعندما أذنت له؛ إنفتح الباب ببطء وظهر هو بهيئته التي جعلت مِن قلبها سكنًا لجميع الآلات الموسيقية، منهنَ العالية التي أثارت حماسها، ومنهنَ الهادئة التي كانت كالمُهدء لها وأسكنت تِلكَ الأفكار المزعجة التي كانت غارقة بِها مُنذ قليل..

إقتربَ إليها ثم جلس قُبالتها، وإنحنى قليلًا إلىٰ أن إستطاع إمساك أناملها، ونظر لها نظرةً حانية وسألها:

_كيف حالِك الآن؟ هل هُناكَ شيئًا يؤلمكِ؟

أجابتهِ بنبرةٌ عاشقة، وعينان يفيضُ مِنها الحنان:

_أنا بخير ما دُمتَ أنتَ برفقتي، فبرؤيتكَ تتبخر كُل آلامي، حمدًا وشُكرًا للرحمٰن لأنه يَعلم دوائي، ومِن كرمِهِ جعلكَ بجانبي إلىٰ الآن.

تَركَ عصاتِهِ التي يستند عليها، ومَد يديه الأخرى وأمسكَ يديها بإحكام، وكأنه يبثُ لها عشقهُ بتشابك أيديهما، وقال لها:

_إذا كنتُ أنا دوائِك لكُل ما يحدثُ لكِ الآن، فأنتِ الدواء لكُل ما مَر، وكُل ما سيمُر، أنتِ ماء السماء التي أمطرت على أرض قلبِ بَعد ظمأ أعوامِ، فأحييتِ قلبِ بعد أن ظَن أن الحياة قد تسببت بتشقق أرضِهِ، وأنهُ غير صالحٍ للنبات، وبعد رؤيتكِ أصبحت الزهور تملىء قلبِ وأنتِ كُل الزهور ومالكة بُستانِ.

نظرت له بعينيها الدامعة، وأردفت لهُ بصوتِ متحشرج وقالت:

_ما زِلت تعشقني بعد كل ذلك؟ بعد أن فقدت جمالي وحيويتي؟ بعد أنا أصابني المَرض وتملكَ مِني العجز؟

أجابها بدون تردد وهو إبتسامتهِ بدأت تأخذ مَجراها على ثِغرهِ:

_ما علاقة الجمال بالعشق؟ فالعشق هو بذاتِهِ الجمال الذي يُزين قلوبنا، وهو السعادة التي تغمر أرواحنا، سلامًا على ملامحنا إذا كانت بإنتهائها ستنتهي مشاعرنا، وسلامًا على مشاعرنا ما دامت ما زالت مُستمرة برغم تبدل الهيئة والحال.

نظرت له نظرة مزيجٌ بين الحنان، والآمان، الهدوء، والعشق، ثم جذبت يداه إلى شفتاها وقامت بتقبيلها وقالت لهُ:

_لا أعلم ماذا فعلت لكي تكون أنتَ مُكافأتِ، ولكن ما أعلمه هو أنكَ أمحيت كل الآلام التي لوثت روحي قبل مجيئك، وأنكَ أنتَ الخير الذي أمطر على قلبِ فأحياه قبل أن تذوب جذورهِ، وأنتَ أفضل مَن يُساعد على إرتواء مَن أهلكهُ إختياج الإحتواء، أنتَ أفضل مَن إلتقيت.

قال لها بمرح كي يقوم بتحسين صفوها:

_أجيبيني إذًا؛ هل الآن يحقُ لي التفكير بأنكِ كيف ما زلتِ تُحبينني؟ بعد أن أصبحتَ عجوزًا أشيب الشَعر وضعيف النظر مثلي، حتى أنني لم أعد أمتلك ملامح مِن كثرة تجاعيدي، ولم أعد أستطع السير دون إستخدام العصا، هل ما زلتِ أيُتها السيدة الجميلة تعشقين هذا الرجُل ذو الظهر المُنحني؟

قهقه الإثنان بخفوت ثم نظر إلى ذلك الذي دخل إليهم للتو، فرآوا ذلك الشاب الذي يمتلك ملامح كلًا منهما، وإنحنى إليهما وقبل أيديهم، وحينها تذكرَ الإثنان كيف كانَ وما زال ابنهما بارًا بِهما، فتأكدَ أنَ الآن هُما أجادوا الإهتمام بزرعتهما إلى أن كَبِرت وأصبحت تظلل عليهما.

ما زالت الآلات مُستمرة في عزفِها ولن تنتهي الآن، فلحن العشق أوراقِه لا تنتهي، وآلاتِه غير قابلة للإيقاف.

عن المؤلف