هويّة

Img 20240113 Wa0015

كتبت: ندى صلاح

أمرٌ جلِل، وفِكرٌ يُؤرق مضجع الكثيرين، يُشعرهم عدم الإحاطة به كمن أُسِر وحُكم عليه بالتيه والتشتُّت في بقاع الأرض، يروْن الطريق مُبهم…معالِمه لا تمتُّ للوضوح بصِلة، جعل الكوْن أمامنا غير معلوم الكنَه، بيْدَ أنَّه من النظرة الأولى يبدو بسيطًا لا يستحقّ كل هذا التحقيق والقلق حياله، إلا أنّه يتِّم من خلاله التطرُّق إلى مواضيع شتّى، لا تقِّل أهميّة عن قضيّة الوجود وكيفيّة بدأ كل شيء من العدم.

سؤالٌ يطرحه العديد والعديد من الفلاسِفة، ولا يزال له إكثر من إجابة، ولا يزال مصنع الإجابات_العقل_ مسؤولًا عن إنتاج المزيد من الإجابات أيضًا.

 

_ ماهو الإنسان؟

ما هي هويّة الإنسان بالمعنى الدقيق؟

 

هل هو عقل، أم روح، أم جسد، أم ماذا تحديدًا؟

لوهلةٍ أشعرني السؤال أيضًا بالتيه، جعلني أُكنّ لهؤلاء الفلاسفة مقدارًا كبيرًا من الشفقة والأسف، لكنّهم يعلمون أنّ للعالم أبوابًا تستحقّ أنّ تُفتح أخيرًا؛ ليُزال هذا الضباب المُعيق لرؤيتنا الصحيحة للأشياء ومدلولاتها…

اجتمع أشهر الفلاسفة على نظريةٍ نؤمن بها جميعًا دون وعيٍّ منّا أو إدراك.

أجمعوا على أنّ هويّة الإنسان هي جسده.

ها أنا ذا أتحرّك بحريّة، وأنظر إلى قدمايَ التّانِ أتحكّم بهما بكل سهولة، وها هما يداي أكتب بهما مذكراتي قبل النوم، وها هما عيناي أردتُ اليوم مشاهدة أحد الأفلام الكلاسيكيّة وشاهدتُه، وبالأمس قرأتُ إحدى إصدارات عملاق التنميّة البشريّة الدكتور إبراهيم الفقِّي.

أليس هذا جسدي؟

ها أنا ذا المُتحكّم به، دعك من هذا أليس العقل هو المسؤول عن كل شيءٍ أحدثه، أليس العقل داخل جسدي؟

تتلف الأعضاء وبتقدُّم العِلم يكون باستطاعتنا تعويض تلك الأعضاء…إلّا العقل!

العقل حتّى مع تقدُّم كل شيء لا يزال عالَمًا مجهولًا تُحيطه ثغرات لا تُحصى.

أرى الآن أمارات الإقتناع على وجهِك، ولكن رغم أنّ النظريّة تبدو للوهلة الأولى صحيحة ومنطقيّة للغاية إلا أنها ليست دقيقة بالمرّة، وتُعد كعناوين رئيسيّة لبابٍ في مادة الفيزياء مثلًا…

 

_ ببساطة شديدة: تتجدد خلايا الجسد باستمرار، هو في حالة تغيُّر دائِم في كل شيء تقريبًا، جسدي في الروْضة ليس كجسدي وأنا في سن المُراهقة مثلًا، أو حتّى جسدي في سن المُراهقة ليس كجسدي وأنا في سن الشباب إو مُقتبَل العمر، هل يعني هذا أن هويّتي تتغيّر من سن إلى آخر؟!

هل يعني أن هويّتي بعمر 10 أعوام غير هويّتي بعمر 20 عامًا، وهل وأنا في الإبتدائيّة شخص وفي المرحلة الجامعيّة شخصٌ آخر؟

 

الإجابة هيَ لا، نحن نفس الأشخاص، ولذلك الآن نشهد عرج هذه النظريّة وكم هيَ عامّة جدًا، توحي ببدايات علم الفلسفة قليلًا، ولكن لا يزال العقل مُنهمكًا ليملئ فراغ الصورة الغير مكتملة أمامه.

 

ففاجئنا العلماء بالنظريّة الثانيّة والتّي تُقِّر بأن هويّة الإنسان هيَ ذكرياته!

لكلٍ منّا ذكرياته التّي تساهم في يكوينه عقليًا وأخلاقيًا، وفي تشكيل معتقداته في كل شيء، وهي التّي تبني حياته للأفضل أو للأسوأ، بالتأكيد كل إنسان يكون مُلِّمًا بلمحاتٍ لحياته كاملة، من حيث الأحداث والأشخاص المارين عليه أثناء الرحلة، ويُعتبر هذا دافعًا قويًا للإعتقاد أخيرًا بأنها نظريّة صحيحة، لكن اسمح لي بأن أقول أيضًا_ آسفٌ لك_ بأنّها ليست دقيقة أيضًا، وخطِرة للغاية…

 

أولًا هل تتذكّر ما حدث لك وأنت في بطن غاليتك؟

ولو لمحة واحدة؟

الإجابة لا، فهل يعني هذا أنك شخص غير الذي سكن بين أحشاء والدتك؟

هل الأشخاص الذين يعانون من مرض فقدان الذاكرة يتحوّلون كل مدّة زمنية مُحددة مثلًا حال نسيانهم.

 

ستكون كارثة وفاجعة إذا اُعتُبرتْ هذه النظريّة صحيحة.

ولهذا سار بنا العالِم الأخير إلى فكر مُختلف تمامًا.

أثناء سيره عبر تلك المحطّات والتفكير بها جيدًا قال: ولماذا يجب أن تكون للإنسان هويّة ثابتة؟

 

سؤالٌ وجيه وقمَّة في الذكاء حقًا…

يمُر الإنسان بتجارب وخبرات تغير من نفسه وهويّته تغيّرًا جذريًا، كل شيء حتّى أسلوبه في التعامل مع الحياة، حتّى أنت عزيزي القارئ كنت شخصًا قبل قرائتك لهذه الكلمات النثريّة، وأصبحت شخصًا آخر بعد قرائتها؛ لأنّك تعملتَ شيئًا جديدًا سيُغيّر اتجاه البوصلة المُثبتّة أعلى ناصيتك.

الهويّة دائمة التغيّر، والعقل هو العامل الأساسيّ لذلك، فهذا يعني أنها بالفعل تتغيّر ولا توجد هويّة ثابتة إلّا لمن لا يمتلك عقلًا…

ولكن حتى أنا تشتتُّ الآن أكثر من قبل، فحتّى هذه النظريّة لم تشمل كل شيء.

معنى تغيّر الهويّة أن الإنسان ليس بالإمكان ائتمانه بقسم في دار قضاء، أو امضائه لعقود بيع وشراء، أو حتّى الزواج.

ستكون حُجّة الإنسان وقتها بأنّه ازداد خبرةً فلم يعُد كما كان.

 

_ مثالٌ بسيط: وقّع رجل عقدًا لامتلاك بيت في بقعةٍ ما على الأرض.

ومن ثَم ذهب ليوقّع عقدًا آخر مع بائع آخر في بقعة مُختلفة أخرى، وعندما طُلب منه الدفع للبيت الأول، قال لم أعد أريده فقد علمتُ حديثًا أن هذه البقعة مثلًا باردة ليلًا، أو البيت نفسه ستكون جداره ساخنة جدًا صيفًا بسبب جودته مثلًا…إلخ

رغم أنه قد وقّع العقد ولم يفسخه حتّى، ولكن بمُجرد علمه بشيءٍ جديد غيّر هويّته.

فهل يعني هذا أنه تغيّر وسقطت عنه قراراته السابقة؟

 

أشعر بما تشعر به تمامًا، وللأسف الشديد كانت هذه آخر وأحدث نظريّة تخصّ هذه القضيّة، لم يتوصل العلم بعد للإجابة الصحيحة والمُعتمَدة.

 

لكنّي وضعتُ نوعًا ما إجابة لنفسي وحسب، قد لا تكون دقيقة أو منطقيّة، فبربِّك لم يستطع علماء المجال أن يفعلوها فسأفعلها أنا؟

 

_ أنظر عزيزي كما يُقال” العقل السليم في الجسم السليم” العقل عضو جبّار خارق القوى اصطفى الله الإنسان به دون غيره، فأصبح يستطيع أن يُجري أكثر من 54.900 حاصل ضرب تريليون عمليّة حسابيّة في الثانية، يعني هذا أنه أسرع من أسرع كمبيوتر في العالم، هل يُمكنك التخيّل!

فينبغي عليك معرفة قيمته جيدًا، وكيفيّة التعامل معه، والمحافظة عليه بمحافظتك على التغذيّة الصحيّة والتفكير الإيجابي، والكثير ثم الكثير من التأمل.

 

جميعنا نمر بتجارب مُحبطة جدًا تصنع بدورها ذكريات تعمل كفيروسات ضارّة جدًا، توضع كحاجز بينك وبين المُستقبل الباهر، فعليك صدقًا أن تتخلّص منها واحتفظ فقط بالذكريات الإيجابيّة التّي تصنع منك إنسانًا أفضل، وإن لم تكن لديك فاصنعها..الحياة واحدة فأشعِلها بكل ما هو جميلٌ ورائع يشبهك عزيزي.

 

عليك بتعلّم كل ما هو جديد، وإن كانت هويّتنا تتغيّر بذلك فالنُغيّرها للأفضل وللأرقى دائمًا، وللتعلّم أثر، اتركه أينما حللتَ وخطّت قدماك، وإن كان أثرك هو هويّتك، فكفى به هويّة.

عن المؤلف