الحمامة تحكي

Img 20231027 Wa0006

كتبت:آية محمد حسن 

 

قطفتُ ذاك الغصن من شجرة الزيتون، وسرتُ

به محلقةً فوق سمائها. نعم هى، فالجميع يعرفها

دون أن يُنطق اسمها. ذكرها يخاطب القلب،

ونسيمها يخترق الضلوع يستوطنه رغمًا عنك.

تلك البقعة المباركة التى خُلقت للسلام.

 

حلقتُ فوق سمائها، علمتُ أنها هى دون النظر

إليها، فتلك الراحة التى اجتاحت نفسى وذلك

الرابط القوى بينها وبين حمامة بيضاء كقلبها،

ذلك التجاذب بينها وبين غصن الزيتون في

فمي لا ينبع من فراغ.

عرفتها من نسيمها، ومن رائحة المسك فوقها.

عرفتها وما من عطر أطيب من رائحة دماء

شهدائها.

 

تولد شعور غريب بداخلي، رغبة بالبقاء فيها.

أعلم حجم الخطر الذى يلاحقنى، فما الذى

يدفعنى للبقاء فى مكان محكوم عليه بالموت،

ولدي أجنحةٌ يمكننى التحليق بها أينما شئت!

لكن تلك فطرة القلب. لا يرى الراحة إلا بموطنه،

وهى موطن قلبي وملجأه الوحيد.

حتى وإن كان الموت فى انتظارى، فإنني ذاهبةٌ

إليه بصدر رحب.

يكفى أن ألفظ أنفاسي الأخيرة من نسيمها الأشبه بنسيم الجنة.

 

هبطتُ إلى شجرة كبيرة تتربع الأرض بعظمة

وشموخ، كالحسناء يوم زفافها يمدحها الجميع

ويثنى على جمالها. شجرة لم تغيرها تيارات الزمن

ولن تفعل.

جلستُ محلى براحة عجيبة، وأخذتُ أتأمل ملامح النقاء من حولي، ولكن يا لحسرة قلبي، حتى

النقاء قد تلوث واختلط به سواد الظلم.

أطفال صغار يمرحون ويلعبون. ذاك الصغير

يبكى يريد أخذ ثمرة من الشجرة. حُزن أبيه،

ونظرة الانكسار فى عينيه نحو تلك الشجرة

التى لم تكن إلا حقه هو وأبنائه، لكن لا يستطيع الإقتراب؛ بسبب الثعابين الملتفة حولها، ولا مصير

لمن يقترب منها إلا الموت.

 

لكن لا أخفيكم سرًا. حتى الثعابين لم تخفى

جاذبية الشجرة. ولن تستطيع الصمود طويلًا

أمام أصحابها.

رغم الحزن الذى يكسو الجميع، إلّا أنهم

يمرحون ويلعبون. فما زالت الإرادة تستوطن

قلوبهم.

 

غفوتُ قليلًا وسط أصوات اللعب، وضحكات

الأطفال.

وهلةٌ من الوقت لم أتمكن من معرفة مقدارها،

لأفتح عيني وقد استحالت أصوات الضحك إلى صراخ.

نظرات البراءة فى عيون الأطفال تحولت

لنظرات استغاثة وانكسار، ولكن ما من مغيث.

 

رياح قوية تحاول اجبارى على ترك غصن الزيتون

أمام مقاومة منى، فكيف لي أن أتركه، وهو أمانة وضعها الله بين يدي!

أبيتُ أن أُسقط غصن الزيتون من فمي، حتى

سقطتُ أنا نيابة عنه.

سقطتُ استقبل الموت المحتوم على كل من

يقترب من تلك الشجرة. سقطتُ ألفظ أنفاسي

الأخيرة من الهواء الذى طالما تمنيت أن اتنفسه.

تخللت دمائى حبات الرمال، لتختلط بدماء

الأطفال والشهداء، ليصبح دمي جزءًا من تلك

الأرض الطيبة. ويصبح مصدر رائحة المسك التى تمنيت استنشاقها.

 

لم يستكن جسدي، ولم تهدأ روحي وأنا أشعر

بغصن الزيتون ينفلت ساقطًا.

كيف أسمح بهذا، وقد دفعت عمري فى سبيل

أن يبقى مرفوعًا عاليًا!

لا أريد الموت قبل أن أطمئن على غصن الزيتون.

وما هى إلا لحظات قضيتها أصارع الموت حتى

أتانى الجواب من رب العزة.

حمامة أتت تنتشل مني غصن الزيتون، وتحلق به

عاليًا حيث مكانه الحقيقي الذى قدره الله له.

 

الان يمكن لروحي الخروج بسلام، ولجسدي النوم براحة حتى لقاء الله، ولدمي الاستقرار فى أرض

العزة بجانب دماء العزة والشرف.

فقد اطمئن قلبي على غصن الزيتون وعلى

الشجرة والأرض الطيبة، فجميعهم فى حماية الله، وهو حسبهم وناصرهم.

 

ف والله سيبقى الحمام محلقًا فى سمائها

بأغصان الزيتون. سيبقى الأطفال يمرحون فوق

أرضها.

سيقطف الجميع من الشجرة بعد أن تزول الثعابين، وتُرد الحقوق لأصحابها.

فهذا أمر الله. وكان أمر الله قدرًا مقدورًا.

 

 

عن المؤلف