أحيا مع قاتل

Img 20230609 020738

كتبت: زينب إبراهيم

 

علمت منذ طفولتي أن دماء معصوم على يد أحد يقطن معي، فلن تكن لدي الشجاعة على أن أشير عليه وأقل ” هذا قاتل ” ماذا تقولين يا فتاة؟ 

طرأ على ذهني ذاك السؤال دائمًا كلما مر أمام عيني ذاك الحادث ورؤية المذنب يحيا حياته كأن شيء لم يكن، فيذهب في الصباح إلى عمله، وفي المساء يعود لمنزله، ويتناول عشاءه، ويخلد للنوم بهناء؛ أما عن القاتل الذي سفكت دماءه وهو يصيح على أحد؛ لينقذه في آخر وهلة والروح تصعد إلى بارئها، ولكن مهلاً إن القتيل لا يزال على قيد الحياة لقد جئت إليه وعيناي ترقرقت بالدموع؛ لأنني لم أستطع رؤيته يصارع الموت وأشاهده مكتوفه اليدين، فذهبت إليه وأنا أحمل بيداي وردة وقلت له: تلك الزهرة لن تهلك مطلقًا وحقك من ذاك القاتل سيأتي عاجلاً أم آجلاً؛ لأنه لن يظل يمثل دور الضحية هكذا، وإن كان الجميع يصدق أنه لم يفعل شيئًا أتعلم أن ربي الذي يراك وأنت تدعوه؛ حتى يقتص لك من ذلك الوحش، فهو لن يجعل دموع عينيك وندوب قلبك تذهب هباءًا أبدًا ثق به؛ لأنك لم يكن بيدك فعل شيء وأنت على يقين أن ذلك القاتل الماثل أمام ربه وهو يرتكب جرمه بعين قوية، بل انصاع وراء شيطانه وانصت إليه وفعل مثلما ملى عليه سيكون نتيجته وخيمة بالتأكيد أنت قوي وتعلم أن الصابر المحتسب أجره على اللّٰه لا يخذل يتوجب عليك النظر إلى الوردة كلما يأست أن تحقق العدالة؛ فأنت تعلم أنه ذا الرجيم الذي وسوس لقاتلك، بل جاء إليك تلك المرة ويقول: أرأيت خرج منها كالشعرة من العجين ولن يلقى جزاءه بما فعله بك ذلك الأحمق وأنت يا غبي، لما لا تفعل مثله وتأخذ حقك بيداك وتسفك دماءه مثلما فعل تمامًا…إلخ من الحديث الفارغ الذي تكون نهايته غير محموده أتعلم لماذا؟ لأن الشيطان سيكون مقره في النهاية نار جهنم؛ لأنه عصى أمر ربه، فأنت تريد سفك الدماء وهذا من حقك أيضًا؛ ولكن لما لا تترك الجبار يجبر بخاطرك، ويرمم قلبك، ويثأر لك عوضٌ عن يداك التي ستشفي غليل بقائك تبصر من جعلك تحيا حياة بائسة وأنت تتوارى عن البشر خفية أن يعيروك بخوفك وصمتك عن الحق الذي يعود إليك في البداية؛ حتى النهاية هو لك، فكم من الوقت مر عليك وأنت تراه يضحك ويعيش حياته مسرور، بل يفعل تلك الجريمة مرارًا وتكرارًا معك أو مع غيرك كيف لك أن تعرف إن كان يفعل أم لا؟

هويت في نيران الظلم أيامًا لا تعد وأنت لا تشعر سوى بالأنين يهشم فؤادك الذي يكوى بجمر الإنتقام في كل ليلة تمر عليك كأنها سنة؛ ولكن أنا كذلك يا عزيزي، فأنا بصرت الواقعة وأنت من عشتها مع ذاتك التي تحتضر وهي تستغيث مني؛ كي أساندها وأخذ بثأرها، ولكني كنت طفلة صغيرة لن يصدق أحد حديثها وإن قلت الحقيقة على مرئ الجميع وأشارت إليه أتعلم أنني وددت الصراخ بأعلى صوت لي وأقل: عليكم بذاك المجرم الذي يدعي الوداعة وهو قاتل خذوا حق معصوم سفك دماءه على يديه ولم يرأف بقلبه الذي يدمي وهو لم يرمش له جفن، خذوا حق إنسان ضعيف كان يعامله بالحسنى، ويقل له لين الكلمات، ويبتسم في وجهه، ويضحك على مزاحه الثقيل؛ ولكن كان جزاءه في النهاية القتل على من كان يبتسم في وجهه، ويلقي عليه تحية في الصباح، ويتمنى له يوم طيب كانت نهايته أنه عاش خائف يترقب قتله مرة أخرى على يديه؛ ولكن تلك المرة ستكون النهاية حقًا ولن تكن هناك تارة آخرى، فلما تقتلون من يبتسم في أوجهكم هذا الرجل قتل؛ لأنه كان قلبه بلسم لألم غيره، بل كان ينظر لسعادة الآخرين أنها سعادته ويرى الفقير أغنى الناس بحبه وتعامله الجيد مع الغني الذي يتفاخر بأمواله؛ لكن كانت نهايته كجميع من مثله، ولكنني لن أترك حقه يذهب سدًا نعم؛ لأنني سأظل ادعو أن يثأر الله لكل مظلوم، فهو لا يملك القدرة المالية؛ لإحضار محامي يدافع عنه وينصفه، فهو استطاع وهو يحتضر على فراش المظلومين أن يرفع يداه إلى السماء ويدعو بدعوه المظلومين على الظالم الذي هتك حياته دون حنو.

عن المؤلف