أنين الجوى

Img 20230522 225756

كتبت: زينب إبراهيم

 

 

تستيقظ على ضوء الشمس وهي تداعب جفونها، فاليوم ليس يومًا عادي؛ إنما يوم زفافها كما تظن، ففارس أحلامها الليلة عهد لها أن يبدأون حياتهم سويًا الوردية قامت وعلى محياها بسمة تزين ثغرها وفرحة تملأ قلبها؛ لأن منذ أربعة سنوات وهي تصمم لوحة فنية لأول يوم في حياتها مع ” مازن” الذى لعب على وتر فؤادها بكلمات الغزل الذي تطرب الفؤاد قبل الأذن؛ لكن عندما نهوى لا يعود لصوت الذي بداخلنا أي فائدة، فنهلكه بأيدينا ولا نكترث للنتجية.

مازن يعلم أن ورد تأخذ نصيبٌ من اسمها؛ لذلك هي رقيقة وسهل أن يلهو بقلبها ببضعة كلمات وحروف منتاقة بعناية، فلا يأبه لها أو حتى مشاعرها ما يهمه أن يتحدث معها وينصت لصوتها العذب، فنعود لرفيقتنا ” ورد” هي تذهب لتناول الفطور مع عائلتها ولا تتحدث؛ لأنها تسبح في عالم الخيال الذى نسجت خيوطه قبل أوانه، فيسأل والدها: ما سر تلك الإبتسامة يا ابنتي؟ تجيبه بعدما انتبهت أنه قد نادى عليها كثيرًا: لا شيء يا أبي اليوم هو أسعد أيام حياتي؛ لأنني س.. لم تكمل كلماتها، فجاءها إتصال على هاتفها هرولت إليه وهي في غاية السعادة؛ لأنه لم يكن سوى حبيبها، فأجابت وهي تعلو نبرة صوتها ضحكة خفيفة ممزوجة بخجل: مرحبًا عزيزي كنت سأحدث أبي بقدومك اليوم وعن زفافنا أيضًا.

أردف قائلاً بعدما انتهت تلك اللعبة بالنسبة له: حبيبتي يأسفني إنني أخبركِ لن أستطع القدوم اليوم؛ حتى غدًا كذلك، فأنا مسافر اليوم مضطرًا أبي قد هاجمه السقم وهو جليس الفراش وعلي السفر لمتابعة أعماله وداعًا ولم ينتظر ردها أغلق الهاتف مباشرة؛ أما هي كأنما أحدًا صعقها ولم تعي ما قال؟ بعد لحظات سمعت صوت والدتها : بنيتي لما تأخرتي؟ نظرت إلى الهاتف وجدته قد أغلقه وصدى كلمة يتردد على مسامعها ” وداعًا ” أيقنت إنها النهاية؛ لحياة لم تبدأ بعد، فعزمت على أن تعلم ما وراء ذاك الحديث المسمم الذى بدون أدنى حنو سكبه عليها ولم يكترث لها بعد لحظات أدلفت: علي الخروج الآن يا أمي، سأعود بعد قليل لم تنتظر رد والدتها شرعت في تبديل ملابسها على عجلة وخرجت وهي تقاد النيران المصعرة بداخلها توجهت نحو بيته وصوت داخلها يقول ” إنه كاذب ويلعب بكِ لا تذهبي ستشعرين بالأنين جراء تلك الخطوة” هي تعلم أنه يحبها ولا يخدعها وسترى ذلك بأم عينيها بعد عدة دقائق وصلت إلى منزله؛ لكن ما تلك الأضواء؟ الزينة تملأ الأرجاء والناس يلجون ويخرجون مع جلبة كأنه زفاف يقام، فقامت بردع الأفكار التي تروادها وذهبت إلى الداخل؛ أما عن ذاك المشهد المتجسد أمام أعينها، فها هو حبيبها يقف مهندم ذاته وهيئته يستقبل الناس الذين قاموا بالقدوم؛ للمباركة بيوم زفافه وليلة هلاكها، فهو يرتدى حلة الزفاف وبجواره امرأة تزينت في أبهى صورها وترتدي فستان أبيض اللون مرصع بالألماس لا يهم الآن كيف يبدو الفستان؟ ما يصعق قلب ورد بضربات من جمر هو هيئة من المفترض أن يكون زوجها اليوم وهي تكن مقر تلك السيدة التي سلبت سعادتها من يديها بقسوة وحطمت فؤادها بمطرقة الخذلان تقدمت بخطوات حاولت على قدر المستطاع أن تكون ثابتة ووقفت أمامه، فتفاجأ بقدومها هذا؛ لأنه ظن أنها صدقته في أمر سفره الكاذب، فماذا سيحدث؟ هو في نفسه ندرك أنها ستنهار، وتبكي، وتتوسل له ألا يتركها، وينهي تلك المهزلة ويعودا معًا من جديد؛ لكنه في ذات اللحظة التي كان سيتفوه بها خالفت توقعاته بصفعة على وجهه دوى صدها في شتى أرجاء المكان، فأرتسمت جل علامات التعجب على الجميع؛ حتى العروس التي لن تقل دهشتها عن الجميع، فمن تلك الفتاة التي تأتي دون أدنى مقدمات تضرب زوجها وأمام لفاف الناس ولا تكترث لهم وتذهب كأن شيء لم يكن؛ أما عن ورد تلمم شتات ذاتها وترحل وهي تسمع همهمات الجميع من حولها ووجه مازن الذى تحول لكتلة نيران مصعرة على أعلى درجة وفي نفس الحين لا يعلم ماذا يقول؟ من تلك؟ لما فعلت هذا التصرف معه؟ لم تأبه ورد لشيء كأن العالم قد اختفى من حولها تجلس في سيارتها ودموعها تنهمر على وجهها لا تصدق ما حدث منذ لحظات؟ اليد التي كانت ستحتوي مازن بكل حب وتسرد له كلمات الغرام التي حلمت ليالاً وهي تتلعثم من الخجل الطاغي عليها؛ لكنه تحول لضربة مدوية في مكان زفافه على غيرها، فهي الآن مهمشة الروح ومنهكة الفؤاد كأنها كانت تخرج من صراع قوي قررت العودة إلى كنف والدها الذى طالما احتواها في أشق أوقاتها.

بعدما عادت إلى البيت دون أن تتفوه بكلمة ذهبت لوالدها وارتمت بأحضانه، فعلم أنها متعبة جدًا هدهدها كأنها طفلة في عامها السابع وظل يقرأ آيات القرآن الكريم إلى أن غفيت حملها وذهب إلى غرفتها وبرفق وضعها على فراشها؛ لأنه يعاملها كوردة يخشى عليها من نسمة تأتي على وجنتيها، فتلحق أدى بها ظل بجوارها إلى أن استيقظت وهي لا تتحدث مطلقًا جاء دور الأعين للكلام عوضٌ عن الألسن سردت ما عانته في الصباح من شجار قاسي عليها وعلى قلبها الرقيق كما يدعوه والدها في بادئ الأمر لم يتحدث والدها؛ لكنه شهر بها وبألمها، فعاتبها على عدم مصراحته لما حدث منذ فترة قبل أن يأتي هذا اليوم ويرى الإنكسار يكسو فؤادها قبل وجهها؛ لكنه لن يجور عليها يكفى أنين الجوى الذي يغزوها دون رحمة، فأخذ يحدثها عن طفولتها عندما كانت تلهو في البيت وتشدو بصوت عذب أناشيد التي يعشقها والدها منها وترقض وراءه؛ لجعله يلعب معها، فهي وحيدة لا تجد من يلهو معها وهو لم يجعلها تشعر بوحدتها تلك كأن لها الأب، الرفيق، الشقيق، الحبيب إلى أن جاء ذاك الوغد الذي قلب كيانها رأسٌ على عقب؛ فكان يشاكسها كشقيقها، ويسمعها الحديث الجميل كحبيب، يخاف عليها كوالد، ينصت لها كرفيق؛ لكن العمل جعله يتغافل عنها في الأونة الأخيرة، فلم يكن كالسابق معها وهو الآن معها جعلها تضحك أخيرًا بعدما تذكرا سويًا ذكريات طفولتها الجميلة وشاركتهم والدتها تلك اللحظات الغانية.

عزمت ورد أن تنسى مازن بكل ما أوتيت من قوة، فيساندها والدها الذي كان دائمًا بجوارها أغلقت باب الحب نهائيًا من حياتها إلى أن يحضر من يستحق الورد كما قال لها حبيبها؛ لأنها قرت اليوم أنها لم تعشق مثل والدها، فهو من يستحق أن تهواه حد النخاع ومرت أيام عاتية على ورد في بادئ الأمر؛ حتى تنساه وتستطيع إكمال مسيرها، فبعد ليالاً عجاف مروا عليها وجدت من احتوى فؤادها المنهك، وروحها الحزينة رغم التظاهر بالسعادة واللامبالاة، وذاتها المشتتة التي استطاع أن يمحو أنين الجوى علمت أن الحب ليس كلمات تقال؛ إنما أفعال ووفاء مع ثقة لا تخذل أبدًا وأمان لا يشوبه هلع، فهي استطاعت أن تحيا الحب الحقيقي الذى أخبرها عنه والدها أنها ستشعر به يتسلل إلى فؤادها دون سابق إنذار.

 

عن المؤلف