حركات الترجمة في الحضارة الإسلامية

Screenshot 20230328 023418

كتب: أحمد السيد 

 

 

مع اتساع حركة الفتح الإسلامي وجد المسلمون أنفسهم أمام شعوب ثقافتها أغنى بكثير من ثقافتهم، فرأوا من الحِكمة احترامها، مما أدى لنهضة فكرية عظيمة في العصر الإسلامي، عززتها حركة الترجمة من الحضارات العريقة (اللاتينية والفارسية والسريانية)، والتي تمت على أيدي مترجمين وإداريين من أبناء تلك الشعوب في الأراضي الجديدة، والتي كان السُريان في بلاد الشام والعراق من أهم مكوناتها. فقد تزعم السريان حركة الترجمة من اللغات الأخرى إلى اللغة العربية لمدة تزيد عن ثلاثة قرون وأكثر.

 

 

يرجع الفضل في ازدهار الحركة الفكرية إلى نخبةٍ من العلماء المسيحيين السُريان الذين خدموا الخلفاء ووزراءهم في الدولة الأموية والعباسية. فكانت المحطَّةُ السُّريانية هي البداية التي انطلق منها المسلمون بعد الفتح في نهضتهم العلمية، إذ أن أغلب المؤلفات اليونانية لم تُعرب من لغتها الأصلية إلى العربية بل عُربت من السريانية إلى العربية أو من العربية إلى اللغات المختلفة.

 

لم يكن نقل السريان مجرد نقل من لغة إلى لغة بل كان له دلالاته الواسعة في قراءة الفكر اليوناني الفلسفي والعلمي وفق ذلك الإطار الثقافي والاجتماعي العام في كنف عهد المسلمين، مما خلق مثاقفةً لم يسبق لها مثيلٌ بين جماعاتٍ بشريةٍ متنوعة الأعراق، والمعتقدات، واللغات، وذات تجاربٍ ثقافية غنية بحيث غدا إطاراً متسارع التفاعل يُعبَرُ عن تراثه باللغة العربية الجامعة للمسلمين غير العرب.

 

 

تزعم حركة الترجمة في العصر العباسي حنين بن اسحق دون منازع، وهو الذي ترجم أثناء توليه مديراً لبيت الحكمة إلى اللغة العربية نحو مائتي كتاب من أصل أربعمائة كتابٍ قام بترجمتها، منها خمسة وتسعون كتاباً تخص جالينوس، ومئة وتسعة وأربعون كتاباً في الطب، ومئة وأربعة عشر كتاباً في الفلسفة، ومئة وثلاثة وعشرون كتاباً في الرياضيات. وضمت أكاديمية بيت الحكمة المترجمين، النسّاخين، والخازنين، والمناولين الذين هم حلقة الوصل بين بيت الحكمة ورواده، فأصبحت ملتقى الحضارات آنذاك، وجمع في جوفه تراث البشريّة، لتصبح الترجمة ظاهرة اجتماعيّة، وليست ترفًا أو مسألة شخصيّة تهم هذا الحاكم أو غيره.

 

تحولت مجالس الخلفاء، إلى أنديةٍ علمية يتناظر فيها العلماء والمفكرون من كل صنف، وتَحوَّل بيت الحكمة إلى أكاديميةٍ علمية بكل معنى الكلمة، وكل شيء يُناقش بحرية ويُعرض على بساط الحوار. وبدا جلياً ذلك التعايش بين العقائد المختلفة لدرجةٍ قلما نجدها في أمةٍ أُخرى.

 

 

أسس السُريان للحضارة العربية الإسلامية منذ بدايتها، ولعبوا درواً عظيماً في حركة الترجمة، فأحدثوا ثورة علمية، وأسهم الخلفاء في تعزيز دورهم فيما منحوه من حماية، وأجزلوا لهم من عطاء، فأسهمت فلسفات اليونان والفرس والسريان في نبوغ جيلٍ من الفلاسفة المسلمون أبدعوا في مجال علم الكلام، وخلقت تنوعاً فكرياً ومذهبياً في الدولة الإسلامية خلال العصر الوسيط، وانتقل ذلك التأثير إلى أوروبا مع بدايات عهد النهضة عبر الأندلس وبلاد الشام وصقلية في بدايات القرن السادس عشر الميلادي.

عن المؤلف