كفر الليل

Img 20230308 Wa0041

كتبت : هالة منير ” آليك ” 

 

 

في يومٍ من الأيام قديمًا، يُحكى أن هناك رجل قتل امرأته في كفرٍ ما يُسمى “بكفر الليل” بإحدى القرى الصعيدية، كانت الأقاويل حينها تقول أن تلك المرأة كانت تعمل أعمال الشعوذة والسحر وكانت تؤذي جيرانها، حذرها زوجها مرارًا وتكرارّا، لكن النصح لم يكن علاج، وفي ليلة سوداء هجم عليها وأطاح بها جثة هامدة أرضًا، كانا لديهم إبن واحد فقط بعمر السابعة، يقولون أنه هو الشاهد الوحيد على الحادث وهو من يعلم حقيقة الأمر، ولكنه اختفى من بعد الحادث، لا أحد يعلم أين ذهب من بعد تلك الليلة.

منذ وفاة تلك المرأة وتم سجن زوجها وهروب طفلهما، والبيت مغلق بإحكام لا يتجرأ أحد على التقرب منه، هناك شائعات تقول أن روح القتيلة تسكن المنزل، فيسمعون المارة من أمامه أصوات صراخ وبكاء ونحيب وأحيانًا ضحكات مخيفة، ولكن لا أحد يرى شيء.

تمر الأيام وتصبح سنوات، ثلاثة وعشرين سنة، خمدت الأحاديث، تبدلت الأشخاص، صار الماضي تحت الثرى، لا يراه أحد ولا يسمع عنه أحد، إلا عندما ظهرَ بالبلدة داء لا يعرفون من أين لهم بهذا المرض، مرض جلدي يصيب الأطفال وتتطور حالتهم إلى الحمى ولا يمر على الطفل ثلاثة أيام إلا ويموت، أصاب سكان البلدة الجنون والحيرة والغضب، لا يعلموا ما دواء هذا الداء، ومن أين أتى لهم.

هناك بالبلدة رجلٌ كبير يُدعى “الدرويش” كان قديمًا يجول البلدة داعيًا، يسوق أهل البلدة إلى عمل الخير، ولكن منذ حادث جريمة القتل تلك، وهو ماكثًا في بيته لا يخرج منه، عندما تحير أهل البلدة، قرروا أن يذهبوا إلى “الدرويش” فذهب ثلاثة رجال من كبار عائلات البلدة طرقوا بابه، ولأول مرة يظهر الدرويش لأحد منذ ثلاثة وعشرين سنة، جلسوا هؤلاء الثلاث معه، وقبل أن يبوح أحدًا منهم بشيء، أخبرهم الدرويش أنه يعرف سبب الزيارة، كما أنه قال لهم: “أن دائكم من دمائكم”

فتعجب رجال البلدة! فهم لم يفهموا شيء، قال رجلٌ منهم: ما مقصدك يا شيخنا، انر بصيرتنا وارشدنا.

نظر لهم وقال: دائكم هذا من أفعالكم، هذه لعنة قد حطت عليكم، ولن تنفك إلى أن يأخذ كل ذي حق حقه.

رحلوا من عند الدرويش وهم لا يفقهون شيء مما تفوه به، ولكن نظراتهم لبعضهم كانت لها مغزى ومعنى أخر.

عاد كل رجلًا إلى بيته، ذهب الليل وحلَّ الصباح مُعلنًا فصل جديد في تلك القصة، استيقظوا أهل البلدة، ليروا جدران منازلهم من الخارج منقوش عليها مقولة بالدم “إن تناسيتم الماضي، الماضي لم ينساكم” تعجبوا أهل البلدة، وفزعوا من هول المنظر، ولكن هؤلاء الثلاث الذين ذهبوا لمقابلة الدرويش، ظلت أعينهم على بعضهم، وكأنهم يعلموا سر هذه المقولة.

عائلة ضاحي

عائلة أمين

عائلة سليم

أكبر ثلاث عائلات بالبلدة، متزوجين من أجمل نساء البلدة وأغناهم، لهم من المال والسلطة والمكانة ما يكفيهم ويفيض، ولكن هؤلاء الثلاث فقط من عائلات البلدة جميعًا لم ينجبوا أطفال، وفي حالة أن واحدة من نسائهم حملت، تُصاب بالإجهاض على الفور، إن نسل الثلاث عائلات في نقصان، ولا يعلموا ما سر هذا الأمر.

تمر الأيام على البلدة والموت مُحيطًا بهم، لا هناك مفر، تجمعوا رجال البلدة مع ضاحي وأمين وسليم، وقالوا لهم أنتم كبار رجال البلدة، أغيثوا أطفال البلدة.

أثناء هذا الاجتماع، جاء عمدة البلدة وقال لهم: السلام عليكم يا رجال لقد سمع دعائكم الله، لقد جاء لي طبيبٌ من مصر سمع بما حلَّ على البلدة وهو يريد مساعدتنا.

فرحوا رجال البلدة جميعًا، وظهر منقذ البلدة “دكتور محمود” شاب بعمر الثلاثين متعلم ووسيم وذكي.

منذ أن وطأت قدميه مجلس رجال البلدة، وهم ناظرين له في اندهاش، فارحين به وكأنه فُلك نوح الذي سيُنجيهم من الطوفان.

جلس معهم وسمع منهم ما حدث، فقرروا أن يستضيفوه في أحد بيوت رجال البلدة، لكنه رفض، وقال أنه لا يريد أن يكن ضيف ثقيل على أحدٍ، فسأل هل هناك منزل فارغ، بيت صغير يمكث فيه مؤقتًا.

فقال له العمدة: هناك بيت “عليم وروحية” إنه فارغ ولم يسكن فيه أحد، سأرسل لك أحد ليقم بتنظيفه لتمكث فيه، ولا تكترث لِما يقوله أهل البلدة عن هذا البيت.

ضحك دكتور محمود قائلًا: لا تقلق يا عمدتنا، أنا هنا لأُزيل ما يخاف منه أهل البلدة.

أخذه العمدة لأكثر من منزل ليعرض عليه حالات الأطفال وما أصابهم، وبعدما انتهوا ذهبوا إلى منزل عليم وروحية، دخل دكتور محمود إلى المنزل وظل يتفحص بكل مكان في البيت، ظل العمدة واقفًا على عتبة الباب وكأن شيئًا ما يمنعه من دخول البيت.

التف دكتور محمود وراءه ونظر للعمدة قائلًا: لا تخف، وارتسمت بسمة مخيفة على وجه دكتور محمود، وانغلق فجأة باب البيت بوجه العمدة، فزعَ العمدة وقرر الذهاب بعيدًا عن هذا المنزل.

تمر الأيام ودكتور محمود ماكثًا بـبيت عليم وروحية، وذات ليلة، طرق أحدهم الباب على دكتور محمود، وإذ فجأةً رأى دكتور محمود أمامه “الدرويش” تبسم محمود قائلًا له: أهلًا، أهلًا بـ الدرويش تفضل، أم أنك لا تدخل بيوتنا.

رفع الدرويش عينه، ونظر بعين دكتور محمود قائلًا: ما الكره إلا انتقام لنفسك من نفسك، ما فائدة أخذ الحق والتهامه مثلما فُعل معك، ما فائدة إعادة الماضي للحاضر، ما لا تعلمه أن تلك النار التي بداخلك لن تأكل أحدٍ غيرك، أنت كحفيدٍ لي أنصحك بترك المقاعد لأنها ستتبدل عما قريب، سيحين موعدك لتجلس مكانهم، وتأخذ ما هو لك دونَ عناء.

غادر الدرويش وأغلق دكتور محمود الباب وراءه، تتوالى خطواته إلى الغرفة الكبيرة، غرفة روحية فتح باب الغرفة، ودخلها وظل ناظرًا لها ثم سقط أرضًا باكيًا كالأطفال.

قديمًا كان هناك عليم وزوجته روحية كانا من أحسن وأكرم الناس بشهادة الجميع، ويقصدهم البعض للخير، أكرمهما الله بطفلٍ واحد اسمه “خالد”.

روحية كانت مُلقبة بالحجة روحية، حجت بيت الله أكثر من مرة، يقصدونها الناس أحيانًا في بعض الأمور، تعمل رقية لطفل، تعمل حجاب، تعطي السائل ما يريده، لها شهرة بالبلدة أنها مباركة، في أثناء أن زوجها عليم في مكانة كبيرة بين أهل البلدة وله زوجة جميلة جدًا وطفل كالملائكة، كان هناك زوجات ضاحي، وأمين، وسليم، كانوا يتربصون وينظرون في رزق كل فرد من أهل البلدة، في يومٍ ما دونَ علم رجالهم ذهبوا الثلاث نساء إلى روحية زوجة عليم وأخبروها بعلتهم، وأنهم يريدون مساعدتها، رفضت روحية مساعدتهم، فقرروا الانتقام منها أخبروا أزواجهم أن عدم الانجاب إلى الآن وحالات الإجهاض الكثيرة التي حدثت معهم هي بسبب روحية وأعمالها، وأشاعوا بالبلدة إن روحية مشعوذة وتعمل أعمال لأهل البلدة بالسحر الأسود، كانوا هؤلاء النساء كالشياطين، بثوا السموم بعقول الجميع وبالأخص أزواجهم، فقرروا الرجال الانتقام على طريقتهم، جعلوا أحد الرجال الفقراء الغير معروفين بالبلدة، أن يقوم بمهمة من أجلهم وهي الذهاب إلى روحية واستدراجها إلى أن يأتي زوجها ويكشف خيانتها له ويطلقها لتغادر من البلدة كلها.

خطتهم نجحت ولكن لم تكن نفس النهاية، النهاية كانت جريمة قتل، قتل عليم روحية زوجته وهي على فراشها فاقدة الوعي، وبجانبها ذلك الرجل، استطاع الرجل أن يهرب، ولكن روحية كانت فاقدة الوعي لأن ذلك الرجل دخل المنزل على أنه يريد بعض من المال من زوجها عليم، فـعليم معروف بالبلدة أنه رجل كريم نبيل يعطف على الفقراء، ويساعد الجميع، ولكن ذلك الرجل هجم عليها وجعلها تستنشق مادة مخدرة بمنديلٍ وضعه على أنفاسها، حتى سقطت أرضًا فأخذها إلى غرفتها، وجاء زوجها عليم ليرى رجلًا غيره بغرفته.

هذه هي حقيقة قصة قتل الرجل لزوجته التي صارت علكة بفم كل أهل البلدة الذين لا يفقهون أي شيء عن الحقيقة.

أعتقد أن للحقيقة بقية وهي ما سنعلمه لاحقًا.

جاء صباح اليوم التالي، وجاء ضاحي وأمين وسليم لـبيت دكتور محمود، استيقظ محمود على طرق الباب فازعًا، ذهب ليعرف من الطارق، ليرى هذا الثلاثي أمامه، نظروا له جميعًا وفي فمٍ واحد، انجدنا يا دكتور محمود الداء أصاب زوجاتنا أيضًا، أرجوك تعال معنا وأنظر إلى ما حدث لهن، لا ملجأ لنا الآن سواك.

أخبرهم دكتور محمود أن يأتوا بنسائهم إلى هنا، فقال له ضاحي: أتريد نسائنا أن تدخل بيت عليم وروحية المشعوذة، إن البيت مسكون بروحها.

فنظر له دكتور محمود بتعجب قائلًا: هل المهم الآن شفاء زوجاتكم، أم روح روحية، العلاج يكمن بالبيت هنا ولا أستطيع إخراجه، وبالفعل جاءت الثلاث نساء برجالهم إلى بيت دكتور محمود.

جلسوا جميعهم فقدم لهم دكتور محمود مشروبات للضيافة، بدأت النساء تشعر بدوار، وعدم اتزان، نظروا لهم رجالهم قائلين: ما بكن، ما الذي يحدث يا دكتور محمود لهن؟

فقال دكتور محمود لهم: ما يحدث لزوجاتكم هو ما يحدث لكم الآن.

بدأ ضاحي وأمين وسليم بالشعور بدوار وعدم اتزان ولم يستطيعوا الوقوف حتى على أقدامهم، وسقطوا واحد تلو الآخر وفقدوا جميعهم الوعي.

بعد ساعة وأكثر ابتدأوا الرجال في الاستيقاظ من غفلتهم ليروا أنفسهم مقيدين من أيديهم وأرجلهم، ونسائهم مُعلقات أمامهم بالحبال لأعلى، والدماء على ملابسهم لا يستطيعون الصراخ ولا التفوه بكلمة واحدة، وكأن ألسنتهم انقطعت، نعم فزوجات ضاحي وأمين وسليم قُطعت ألسنتهم، وهن الآن فاقدين الوعي.

حاول ضاحي وأمين وسليم التحرر من ذلك القيد، ولكن فجأة ظهر أمامهم “دكتور محمود” فصرخوا بوجهِه قائلين له: ما الذي تفعله يا دكتور محمود، لما كل هذا العبث؟ فك قيدنا يا دكتور محمود.

ينظر لهم دكتور محمود وترتسم على شفتيه بسمة مخيفة، ينظر لهم وكأنه يتغذى على ما هم عليه، قال لهم وخطواته تتوالى نحوهم: محمود، من هو محمود؟

فقال له أمين: أنت، أنت دكتور محمود.

فضحك وقال له: أمين! ظهر صوتك أخيرًا وتتحدث معي؟

فقاطعه سليم قائلًا: كم تريد؟ بالطبع تريد شيء، أخبرنا قبل أن ينفد صبرنا.

فتبسم له قائلًا: ليس فقط صبرك من سينفد بل حياتك أيضًا.

فقال ضاحي: أخبرنا من أنت، وماذا تريد؟

فتقرب منه ونظر بداخل عينيه قائلًا: خالد، خالد ابن عليم وروحية، خالد ذلك الصغير الذي حرمتموه من أمه وأبيه.

ها هو أمامك نضج، وصار رجل، أنتم ظننتم أنني فُلك نوح من سينقذكم، ولكني أنا الطوفان، أنا من أطعمتكم المرض، أنا من سآتي بالماضي، وسأُعاقبكم على ما فعلتموه، “فإن تناسيتم الماضي، الماضي لم ينساكم”.

صامتون جميعهم من الصدمة، سأله ضاحي قائلًا: كيف، كيف نجوت، سمعت أنك هربت منذ ثلاثة وعشرين سنة، هربت منذ قتل عليم وروحية.

ضحك خالد قائلًا: ومن أخبركم أنني هربت، من قال لكم أنني لم أكن هنا معكم واعيش بينكم، وآكل من طعامكم، أنا لم أُبرح بيتي أبدًا.

فقال له ضاحي: أيعني هذا أنك من كنت تفتعل تلك الأصوات، أهذا يُعني أنك رأيت عليم والدك يقتل روحية؟

أبي لم يقتل أمي، أنتم من فعلتم هذه الجريمة، أنتم من قتلتم أمي وأبي، أنا هنا لعنة روحية عليكم، لن تذوقوا طعم الحياة بعد الآن، سأجعلكم تتمنون الموت وأنتم على قيد الحياة، وأول ما ستُلقونه مني هو موت زوجاتكم أمام أعينكم.

تركهم خالد وغادر المنزل وهم في صدمة وخوف مما سمعوه.

خرج خالد من البيت، وصاحَ بصوته عاليًا: يا أهل البلدة ها هم من جلبوا لكم المرض وحرموكم من أطفالكم، ها هم نسائهم المشعوذات، يستدعون روح روحية المرأة المباركة التي قُتِلت ظلم على أيديهم، اللعنة حلت عليكم من ظلمهم لـروحية، روحية تلك المرأة هي وعليم زوجها زاروني بمنامي وأخبروني الحقيقة، وقالوا إن دائكم من دمائكم، من أهل بلدتكم، مِمَن جعلتموهم أسياد عليكم، روح روحية قتلت زوجة ضاحي وأمين وسليم، ادخلوا وخذوا دماء زوجاتهم واسكبوا منه على أجسادكم وأجساد أطفالكم، ستُرفع اللعنة، ويزول الداء.

هرول أهل البلدة إلى داخل بيت روحية وأسقطوا جثث زوجات ضاحي وأمين وسليم أمام أعينهم، وقطعوا أجسادهم وأخذوا دمائهم ورحلوا لبيوتهم، تاركين خلفهم مجزرة من الدماء وأشلاء النساء، ظلوا رجالهم يصرخون ولكن لا أحد يعتريه ما يسمعه.

نظر خالد ابن روحية وعليم خلفه قائلًا: سأجعل منكم آية وقصة تُحكى للأطفال ليلًا، ليرتعب كل من يفكر بكم، سأُخلد ذكرى روحية، الحجة روحية المباركة، وسأجعل هذا البيت مقام لها، سأجعل الجميع يتوسلون ويتذللون ويبكون ويأتون لباب بيتك يا أمي طالبين لسماح والبركة، قُتلتي بذنبهم، والآن سيُحيون ذكراكِ واسمك إلى أن يموتون.

“لكل فعل رد فعل، ولكل بداية نهاية، ولكل لعنة طلسم، ومع كل قَتِيل يوجد قاتل، ومع كل روح هناك شر، وفي كفر الليل، تكمن اللعنة ويسكن الشر”.

 

النهاية.

 

عن المؤلف