فَفِّروا إلى الله

Img 20230223 Wa0210

كتبت: آية الهضيبي

 

كان هُناك إنسان يمتلك منصب في الدُنيا ثُمَّ ارتقى إلى أنْ أصبح ملك على جُزء في الأرض، يحكُمها ويتحكم بها، وكذلك لديه شعب يسكُن تِلكَ الأرض، وفي يومٍ مِنْ الأيام اكتشف فجأة أنه ليس سعيد، أحضر عُلماء وشُعراء وخُطباء القصر الملكي ولم يستطع أحد أنْ يُخرجه من تِلكَ الحالة النفسية السيئة التي يمُّر بها، وكل يوم تزداد حالته سوءًا حتى جسده أصبح هزلًا لم يعُد يقبل أي دواء، فَخرج في رحلة إلى خارج القصر يتنزه لعله يجد حلًّا ويُصبح أفضل؛ ولكنه لم يتحسن وكرر تِلكَ الرحلة وفي يومٍ كانت الغيوم مُلبَّدة وعاصفة على وشك الحدوث فَقال له الجنود أنه لن يستطيع إكمال الرحلة؛ ولكنه لم يستمع لهم وأكمل وكلما اشتدت العاصفة يدفعه شعور خفي بِأنْ يُكمل حتى رأى غزالة في طريقه ومعها طفلها، والأمطار تشتد فهرب طفلها واختبأ سريعًا بِمُساعدة الغزالة، وظلت هي تُقاوم، والغزال الصغير حزين ينظُر إلى أُمه تارة وينظر إلى السماء تارةً أُخرىٰ وكأنه يترجىٰ ويتذلل ويدعو أنْ تنجو أُمه، وبالفعل نجت وفرحا معًا، كل هذا والملك يُشاهد في تعجُب فَنظر إلى السماء والحق أنَّ ذلك الملك وتِلكَ البلدة لم يكُن لهم أي إله ولم يعرفوا؛ فقد كانت بعيدة وغير مُتصلة بأي مكان آخر..

وفي اليوم التالي بعد تِلكَ العاصفة رأى الملك حُلمًا عجيبًا، رأى أنه ينظُر إلى السماء وفجأة ظهر رجُل يرتدي ثوبًا أبيض وله لحية بيضاء كثيفة ويبتسم للملك ويقول له: ابحث عن مَلك الأرض والسماء، إنه مالك كل شيء، ثُمَّ اختفىٰ..

فَتعجب الملك وحاول فهم تِلكَ الرؤيا وأوضحها له أحد عُلماء القصر، ومُنذُ ذلك الوقت وأدرك الملك حينها أنَّ لهم إله أكبر وملك أعظم يملك كل شيء، وحينها شعر الملك بالارتياح والسعادة فقد فرَّ من الشقاء إلى الهُدى والاستقرار.

 

نذكُر قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام وكيف توصل إلى معرفة الله، بالتأمل والتفكُر في خلق الله، قال تعالى: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67).

إذ لا بُد لِكُّل هذا الكون العظيم أنْ يكون له مُديرٌ أعظم، ومن بعد إبراهيم توالت الديانات السماوية الأُخرى والكُتُب السماوية (الزابور، التوراة، الإنجيل، القُرآن) والتي تُعد الدليل والوثائق التي تُرسخ في الذهن السعادة، وتهدي القلوب، إذ كُنا حائرين ضائعين فأرشدنا الله وهدانا سُبلنا.

رُبما لا يعلم البعض فضل هذا الشهر الكريم الذي نحن فيه الآن “شعبان” ورُبما لم يخُطر ببال أحدنا سؤال: ماذا لو لم يكُن هُناك شهرٌ في العام تُذال فيه ذنوبنا؛ بل تُبَّدَّل بِحسنات!

يأتي رمضان لِيؤكد لنا أنَّ شياطين الإنس أشد من شياطين الجن، ونفس الإنسان لها الهيمنة أكثر عليه وهو ضعيف طوعها، يأتي لِنُغمس في المغفرة ونستنشق رحمة، وننل المُكافأة التي رُبما لا نستحقها على قدْر أفعالنا..

الفِرار من مُستنقع الانحطاط في الدُنيا واليقين أنها ليس دار مُستقر إلى المكانة العُليا في الدرج الأعلى في الجنة، والفِرار من الشهوات إلى تجنب المعاصي قدْر المُستطاع لِننجو، والفِرار لا يكون إلا من الشر إلى آبار الخير نحفرها بِأيدينا لِنترُك أثرًا طيبًا في حياتنا وحتى بعد مماتنا، الحمدُ لله الذي يُعطينا الفُرَص فيُبلغنا رمضان، ويهدينا فلا نضِّل أبدًا.

عن المؤلف