المرأة بين التبرج والتشدد

Screenshot 20221018 003146

كتبت: آية الهضيبي

 

“أنتِ مُتبرجة”، “أنتِ لن تدخلي الجنة”، “سأقطعُ علاقتي بكِ لأنكِ لستِ مُلتزمة؛ بل وترتكبين المعاصي”.

مِن المؤكد أنَّ وقْعَ تِلكَ الجُمَل على مسمعك لم تكُن جيدة أبدًا، ومما لا شك فيه أننا الآن نعيش في عصر الازدواجية في التفكير؛ بل والإزدواجية داخل الدين الواحد أحيانًا.

المرأة كرمها الله في القُرآن الكريم وتحترمها باقي الأديان أيضًا؛ ولكنها كَالدُرة الثمينة في الإسلام، ولذلك كان الحرص عليها وعلى مكانتها وحمايتها كبيرة؛ فالله تعالى رفع شأنها ولا يستطيع أي أحد أنْ يُنكر فضلها المذكور على مر التاريخ، مُنذُ العصر الجاهلي حيث كانت أمَة يتم وأدها، وبعد مجيء الإسلام ودورها في الدعوة الإسلامية وحتى الفتوحات.

إنَّ ديننا الإسلام دينُ وسطية، ولأنه جعل المرأة كَالدُّرة الثمينة فلم يكُن لِيتهاون في الحفاط عليها كما ذكرت، أو يتهاون في حقوقها؛ ولذلك يجب عليها هي أيضًا ألا تتهاون في واجباتها وتتمسك بِتلكَ المكانة، ونحنُ الآن نرى الكثير مِنْ الفتيات مع الأسف قد تأثَّرن بالغرب، وأصبح لديهم الشغف في تقليد كُّل ما يفعلونه وما يرتدونه مِن ملابس فَفقدن شُعلة الإيمان، وزاد الانحراف تدريجيًا إلى أنْ وصل الحال بنا إلى التدني حتى القاع.

الدينُ النصيحة كما قال الله تعالى: “كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ” (110).

فكيف نتناسى تِلكَ المهمة العظيمة، أو نتنازل عن تِلكَ المكانة الكريمة!

ولكن يجب ألا ننسى أنَّ واجبنا الحث باللين والرحمة كما قال رسول اللّٰه صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم بمن يحرم على النار، أو بمن تحرم عليه النار؟ تحرم على كل قريب هين لين سهل[1].

والعجيب حين نجد مَن يُجادلون في الدين والتحليل والتحريم بغير حق فعلينا ردعهم بالعقل والحِكمة أيضًا.د، قال تعالى: «وچادِلهُم بالتي هي أحسن» وإن لم يستجيبوا تدعوا لهم بالهداية، لا أن تُعيِّرهم بذنبهم وتبتعد عنهم كأنهم وباء وتُعاملهم مُعاملة سيئة، وتظل تُفاخر بغير قصد بِالتزامك وأنت لا تعلم كم يُجاهد لِيبتعد عن فعل ذلك الذنب!

ودعوني أُخبركم ما هو التبرج.

التبرُج هو إظهار ما يجب إخفاؤه في المرأة.

قال تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ۖ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33)

فالأمر ليس مُتناقض كما يزعم البعض ممن يُشككون في الدين؛ بل التحصُن مِن العلم والتبرُج من الجهل، فلا يتناسب أنْ نرى فتاة على قدْرٍ مِن العِلم وتلتفت حتى إلى التبرُج!

وكذلك لم يدل ذلك على منع المرأة من الخروج كأنها في سجن كما يتوهم البعض؛ بل لِحمايتها أيضًا وبِقدْر ما تمتلك من رغبة وقُدرة على العمل، وتنفيذ تعاليم دينها في الوقت ذاته، فلم يمنعها مِن اكتساب العِلم ونشره والمُساعدة على العمل به في مُختلف المُعاملات، ووضع حدود لذلك بما يُطابق أحكام الشريعة الإسلامية، ولن يُغير الله ما بِقومٍ إلا عندما يُغيرون هُم ما بِأنفُسهم مِن فِكَر ومشاعر خاطئة، وتطهير القلب وتزكية النفس.

فلا يجوز للمرأة التعطر خارج المنزل؛ بأنه إذا شمَّ أحدٌ رائحتها فَتُعتبر زانية وتِلك كَبيرة من الكبائر، ولا يجوز لها إظهار مفاتنها أو التزيُن لِغير محارمها وهذا حفاظًا عليها؛ لِحمايتها من أعيُن الطامعين الذين توغلت الشهوة في قلوبهم وأيضًا تعزيزًا لها، ورغم ذلك فلم يدعو الإسلام إلى التشدُد في الالتزام فورًا، فلا أحد يخلو من المعاصي والذنوب ولكنه سترُ الله علينا، وإنما الهداية من عند الله والتغيُر تدريجيًا.

فَيجب علينا التفرقة بين النصيحة والتزمُت والتشدُد الذي رُبما يجعل الفتيات ينفرن أحيانًا بسبب شعورهن في البداية بِثُقل الطاعة.

والآن عليكِ أيتُها الفتاة أنْ تُحاسبي نفسك قبل أنْ تُحاسَبي، ولا تترُكي نفسك تتقاذفها الأهواء والشهوات، اسألي نفسك الآن هل أنتِ راضية عنكِ؟

عن المؤلف