الحلقة السادسة: حين يصبح الصمت موقفًا
بقلم: هاني الميهى
ما لم نتفق عليه
لم يتصل كريم بوالده في اليوم التالي، ولم يسأله عمّا أراد الحديث بشأنه. أقنع نفسه بأنه يمنحه الوقت حتى تهدأ حساسيته من الحوار السابق، لكنه كان يعرف في داخله أنه يؤجل مكالمة يخشى نهايتها أكثر مما يخشى بدايتها.
أما سلمى، فلم تسأله عن الأمر مرة أخرى. لم يكن صمتها عقابًا، لكنها بدأت تراجع الطريقة التي تتعامل بها مع الخلافات بينهما. كانت تخشى أن يتحول إصرارها على الوضوح إلى ضغط دائم عليه، كما كانت تخشى أن يصبح تراجعه عن النقاش كلما شعر بالحرج طريقة مقبولة لإنهاء أي خلاف.
مرّت ثلاثة أيام قبل أن يتصل والده بكريم، ويخبره أن عليه المرور به مساءً. لم يشرح السبب، ولم يطلب منه أن يأتي وحده، لكن كريم فهم من نبرة صوته أن الأمر لم يعد متعلقًا بمقدم الإيجار وحده.
ذهب إليه بعد انتهاء عمله. وجده جالسًا في الشرفة الصغيرة التي اعتاد أن يستقبل فيها ضيوفه، وإلى جواره كوب شاي لم يمسّه. رحّب به، وسأله عن أحواله، ثم تحدثا قليلًا عن العمل والأسعار وازدحام الطريق. كان الحديث عاديًا إلى درجة جعلت كريم يتمنى لو ظل كذلك.
ثم وضع والده الكوب على الطاولة وقال:
— أريد أن أفهم شيئًا يا كريم. هل أصبحت مساعدتي لك أمرًا يزعجك؟
أجابه كريم سريعًا:
— بالطبع لا. أنت تعرف أنني أقدّر كل ما تفعله من أجلي.
— إذن لماذا شعرت أنني مطالب بتبرير المبلغ الذي سأعطيك إياه؟
لم يعرف كريم كيف يشرح الأمر من دون أن يبدو كأنه يدافع عن سلمى ضد أبيه. حاول أن يقول إنهما يريدان تنظيم التزاماتهما، وإن السؤال لم يكن تشكيكًا في نيته، لكن والده قاطعه بهدوء:
— أنا لا أريد أن أشتري لك قرارًا، ولا أن أتدخل في حياتك. لكنني حين أساعد ابني، لا أفكر في عقد ولا في موعد سداد. أفعل ما أستطيع لأنني أريد أن أراه مستقرًا.
نظر كريم إلى وجه أبيه، فرأى فيه شيئًا لم ينتبه إليه من قبل. لم يكن الرجل غاضبًا بقدر ما كان مرتبكًا؛ كأن الطريقة التي عبّر بها عن محبته لم تعد مفهومة كما كانت، وكأن عليه الآن أن يتعلم لغة جديدة لم يستعد لها.
قال كريم:
— وأنا لا أريد أن أفقد هذا الشعور يا أبي. لكنني أحاول أن أتعلم كيف أبدأ حياتي من دون أن أضعك في موقف تشعر فيه أنك مسؤول عن كل شيء.
تنهد والده، ثم قال:
— وهل طلبت منك أن تفعل ذلك؟
كان السؤال بسيطًا، لكنه أصاب كريم في موضع لم يكن مستعدًا له. فقد أمضى الأيام الماضية يتصرف كما لو أن عليه الاختيار بين رضا أبيه ورضا سلمى، بينما لم يطلب منه أي منهما صراحةً أن يختار.
قال بعد صمت:
— لا. لم تطلب مني ذلك.
لم ينتهِ الحديث عند هذه النقطة، لكنه فقد حدته. شرح الأب أنه يستطيع تأجيل المساعدة إلى حين يتفق كريم مع سلمى على احتياجاتهما، وأنه لا يريد أن يشعر أي منهما بأن المال سيمنحه سلطة على الآخر. لم يكن هذا اعترافًا بأنه أخطأ، بل محاولة منه لاستيعاب ما يحاول ابنه قوله.
وقبل أن يغادر كريم، سأله والده إن كانت سلمى قد انزعجت منه.
أجاب:
— لا أظن أنها تحمل لك شيئًا. هي فقط تريد أن تكون القرارات التي تخصها جزءًا من حياتها، لا أخبارًا تصل إليها بعد اتخاذها.
ظل والده صامتًا لحظة، ثم قال:
— أتمنى أن تتعلم أنت أيضًا كيف تجعلها تشعر بأنها شريكتك، لا أنها مضطرة إلى إثبات ذلك كل مرة.
لم يتوقع كريم هذه الإجابة. كان ينتظر دفاعًا جديدًا عن العائلة، أو تلميحًا إلى أن الزواج يغيّر الإنسان ويبعده عمّن ربّوه. لكنه وجد نصيحة لم تبرئه تمامًا، ولم تدنه، بل أعادته إلى السؤال الذي ظل يتجنبه.
في طريق العودة، اتصل بسلمى. أخبرها أنه التقى والده، وأن الحديث كان أهدأ مما توقع. لم يسرد عليها كل التفاصيل، لكنه قال إنه اكتشف أنه كان يختبئ خلف انزعاج الطرفين، بدلًا من أن يوضح لكل منهما ما يستطيع فعله وما لا يستطيع.
استمعت إليه سلمى، ثم قالت:
— كنت أخشى أن يكون صمتك معناه أنك غاضب مني.
قال:
— كنت غاضبًا، لكن ليس منك وحدك. كنت غاضبًا لأنني لم أعرف كيف أتصرف من دون أن يشعر أحد بأنني خذلته.
أجابته:
— أفهم ذلك. لكن حين تصمت، لا أعرف ما الذي تفكر فيه، فأبدأ في تفسير الصمت بطريقتي. وأحيانًا تكون تفسيراتنا أقسى من الحقيقة.
أدرك كريم أن الصمت الذي اعتبره وسيلة لتجنب الخلاف لم يكن محايدًا كما ظن. كان يترك لسلمى مساحة واسعة للقلق، ثم يتوقع منها أن تفهم أنه يحتاج إلى الهدوء لا إلى الابتعاد. ولم يكن من العدل أن يطلب منها قراءة ما لم يقله.
ومع ذلك، لم تكن سلمى بعيدة عن المشكلة تمامًا. فقد اعتادت أن تسعى إلى حل الخلاف فور ظهوره، وكانت تشعر بالقلق إذا بقي سؤال بلا إجابة. أما كريم فكان يحتاج أحيانًا إلى وقت يرتب فيه أفكاره قبل أن يتحدث. لم يكن أحدهما مخطئًا لمجرد اختلاف حاجته عن حاجة الآخر، لكنهما كانا يسيئان فهم هذا الاختلاف كلما افترض كل منهما أن طريقته هي الأكثر وضوحًا.
اتفقا على أن يلتقيا في اليوم التالي، لا لمناقشة الشقة أو المال، بل للحديث عن الطريقة التي يتعاملان بها حين يختلفان. اقترح كريم أن يمنح كل منهما الآخر وقتًا للهدوء، على أن يحدد بوضوح متى يعودان إلى النقاش. ورأت سلمى أن ذلك قد يساعدهما، بشرط ألا يتحول التأجيل إلى وسيلة لإغلاق الموضوع من دون حل.
لم يكن الاتفاق مثاليًا، لكنه كان أول اتفاق بينهما لا يتعلق بما يريدان شراءه أو بما ينتظر كل منهما من الآخر، بل بما يحتاجان إلى تغييره في نفسيهما.
وفي المساء، حين عادت سلمى إلى منزلها، وجدت رسالة من أمها تسألها إن كانت قد حسمت موعد الزواج. قرأت الرسالة مرتين قبل أن تجيب. كانت تعرف أن أسرتها بدأت تقلق من طول فترة الخطوبة، وأن كل تأخير يفتح بابًا جديدًا للأسئلة والتوقعات.
كتبت أنها ستتحدث مع كريم ويحددان الموعد قريبًا، ثم حذفت الرسالة قبل إرسالها.
لم تكن تعرف إن كان تأجيل الإجابة نوعًا من الحذر، أم أنها بدأت هي الأخرى تخشى مواجهة الآخرين بالحقيقة التي لم تحسمها بعد.
وضعت الهاتف جانبًا، ونظرت إلى دفتر صغير كتبت فيه منذ بداية الخطوبة بعض التفاصيل التي أرادت أن تكون جزءًا من حياتهما: مساحة للعمل، ووقت للعائلة، وميزانية واضحة، وقرارات يتخذانها معًا. بدت القائمة الآن بسيطة أكثر مما ينبغي؛ فكل بند فيها كان يخفي وراءه مشاعر وذكريات وعادات لم يختَرها أي منهما بوعي كامل.
وفي صباح اليوم التالي، وصل إلى كريم تسجيل صوتي من والده. استمع إليه مرة، ثم أعاد تشغيله.
لم يكن التسجيل طويلًا. قال والده إنه تحدث إلى والدته بشأن موعد الزواج، وإنهما يريان أن من الأفضل ألا تطول الخطوبة أكثر من ذلك، ثم أضاف أنهما يستطيعان مساعدته في بعض التكاليف إذا احتاج إلى ذلك.
لم تكن الكلمات أمرًا مباشرًا، لكنها حملت توقعًا جديدًا، جاء هذه المرة من أكثر من شخص.
فتح كريم محادثة سلمى، وكتب: «علينا أن نتحدث عن موعد الزواج».
ظل ينظر إلى الجملة لحظات، ثم أضاف: «ليس لأن أحدًا طلب منا ذلك، بل لأنني أريد أن نقرر نحن».
أرسل الرسالة، ووضع الهاتف جانبًا.
للمرة الأولى، لم يكن السؤال الذي يشغله كيف يتجنب إغضاب الآخرين، بل كيف يواجههم بقرار لم يتخذه بعد، من دون أن يسمح لخوفه من ردود أفعالهم بأن يتخذه نيابة عنه.
لكنه لم يكن يعرف أن سلمى، في اللحظة نفسها، كانت تقرأ رسالة أخرى من أسرتها، تحمل موعدًا مقترحًا للزفاف، وتطلب منها أن تحسم موقفها قبل نهاية الأسبوع.
وهكذا، قبل أن يتفقا على موعدهما، وجد كل منهما نفسه أمام موعد اختاره الآخرون.
وكان عليهما أن يقررا: هل يستطيعان حماية قرارهما المشترك، أم أن الخوف من خيبة أمل العائلة سيجعلهما يوافقان على حياة لم يختارا توقيتها بعد؟
#هانى_الميهى






المزيد
ما أجمل أن يطمئن قلبك بقلم خيرة عبدالكريم
ورقة العشق بقلم حسام علي
فرح لا يشبهنا بقلم هاني الميهى