مجلة ايفرست الادبيةpng
ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

متى تصبح التضحية بطولة، ومتى تصبح خسارة؟

بقلم: د. عبير عبد المجيد الخبيري

(أخصائي نفسي)

كلنا نضحي… نضحي بنومنا، ووقتنا، وراحتنا؛ نضحي من أجل عائلاتنا، ومن أجل عملنا، ومن أجل أشخاص نحبهم. التضحية جزء أصيل من حياة كل إنسان.

لكن ليست كل تضحية جميلة… هناك تضحية تجعلك بطلاً، وهناك تضحية تجعلك تخسر نفسك.

فما الفرق بينهما؟

أولاً: هل اخترت التضحية بنفسك؟

التضحية تصبح بطولة عندما تكون قرارك أنت.

عندما تقول: “أنا أريد أن أتعب الآن لكي أرتاح لاحقاً”، أو “أنا أريد أن أساعد أمي لأنني أحبها”، فهذه بطولة؛ أنت من قرر، وأنت من يتحكم في حياتك.

أما عندما تضحي لأنك خائف—خائف أن يغضب الناس منك، أو خائف أن يقولوا عنك إنك أناني—فهذه ليست بطولة، هذه خسارة.

كثير من الناس يقولون “نعم” لكل طلب وهم من الداخل يريدون أن يقولوا “لا”؛ يفعلون ذلك لكي يحبهم الآخرون. لكن الحب الذي يأتي بهذه الطريقة لا يستمر، والتعب هو وحده الذي يبقى.

اسأل نفسك قبل أي تضحية:

هل أفعل هذا لأني أريده حقاً، أم لأني أخاف؟

ثانياً: هل لهذه التضحية معنى واضح؟

تخيل شخصين يعملان عملاً شاقاً جداً:

 الأول: يعرف لماذا يعمل؛ يقول: “أنا أعمل لأبني بيتاً لأولادي”. تعبه له هدف، لذلك هو قوي وصابر.

 الثاني: يعمل نفس العمل، لكنه لا يعرف لماذا! فقط قيل له اعمل فهو يعمل. هذا الشخص سيتعب بسرعة وسيشعر أن حياته ضاعت.

التضحية بدون معنى هي مجرد ألم بلا فائدة.

قبل أن تضحي بشيء غالٍ، اسأل:

ماذا سأبني بهذه التضحية؟ هل ستجعل حياتي أفضل؟ هل ستجعل حياة من أحب أفضل؟

إذا كان الجواب نعم، فتضحيتك بطولة. أما إذا كنت تضحي فقط لأنك تعودت على التضحية، فهذه خسارة.

ثالثاً: هل ستبقى أنت موجوداً بعد التضحية؟

هذه أهم نقطة.

بعض الناس يضحون بكل شيء، حتى أنفسهم: لا ينامون جيداً، ولا يهتمون بصحتهم، ولا يعطون أنفسهم وقتاً للراحة… يعطون كل شيء للآخرين وينسون أنفسهم.

في البداية سيشكرهم الناس، لكن بعد وقت سيتعب هذا الشخص وينهار. وعندما ينهار، سيكتشف أنه لم يبقَ منه شيء!

التضحية الحقيقية ليست أن تحرق نفسك لتضيء للآخرين حتى تصبح رماداً؛ التضحية الحقيقية هي أن تكون قوياً، فتضيء للآخرين وأنت ما زلت قوياً.

البطل يعطي وهو واقف على قدميه، لا وهو ساقط على الأرض؛ يعطي من وقته بعد أن يأخذ وقتاً لنفسه، ويساعد الناس بعد أن يساعد نفسه.

أن تحافظ على نفسك ليس أنانية، بل هو ضرورة… فكيف ستساعد غيرك وأنت متعب ومكسور؟

متى تكون التضحية خسارة أكيدة؟

تكون خسارة عندما تضحي بشيء لا يعود، من أجل شيء لا يستحق:

 أن تضحي بصحتك من أجل عمل لا يحترمك… خسارة.

 أن تضحي بكرامتك من أجل شخص لا يحترمك… خسارة كبيرة.

 أن تضحي بأحلامك كلها لكي ترضي كل الناس… هذه أكبر خسارة؛ لأنك في النهاية لن ترضي أحداً، وستخسر نفسك.

كيف تعرف ماذا تفعل؟

قبل أن تضحي بوقتك أو بجهدك أو بربيع عمرك، قف واسأل نفسك ثلاثة أسئلة بسيطة:

1. هل أنا من اختار هذه التضحية بحرية؟

2. هل لها هدف ومعنى واضح في حياتي؟

3. هل سأظل بخير بعد أن أقوم بها؟

إذا كانت إجابتك نعم على الأسئلة الثلاثة، فامضِ في طريقك… هذه هي البطولة، وهذا هو الطريق الذي يجعلك تشعر بالفخر.

وإذا كانت إجابتك لا، فمن حقك أن تقول لا، ومن حقك أن تتوقف. حماية نفسك ليست ضعفاً، بل هي قوة.

خاتمة ورسالة نضج:

المجد الحقيقي ليس أن تموت من التعب… المجد الحقيقي هو أن تعيش كريماً، قوياً، ثابتاً، وتعرف متى تعطي، ومتى تقول: يكفي.