مجلة ايفرست الادبيةpng
ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الفصل التاسع “حين تغيّر ملمس القلب” بقلم الكاتب هاني الميهي

الفصل التاسع

حين تغيّر ملمس القلب

 بقلم الكاتب هاني الميهي

 

 

وجع خفي

لم تكن القسوة تأتي دائمًا بصوت مرتفع.

 

أحيانًا كانت تبدأ بهدوء شديد.

 

تأخر في الرد.

 

قلة في السؤال.

 

مسافة لا يلاحظها أحد.

 

ثم يصبح الإنسان أقل انفعالًا بما كان يهزه قديمًا.

 

كانت النفس ترى التحول قبل أن يراه صاحبه.

 

في موقف كان يمكن أن يوجعه، يمر الآن وكأنه لم يحدث.

 

في شخص كان ينتظر منه الكثير، لم يعد ينتظر شيئًا.

 

وفي علاقة كان يخاف فقدانها، أصبح قادرًا على الرحيل دون أن يلتفت كثيرًا.

 

لم يكن القلب قد فقد قدرته على الشعور.

 

لقد تعلم فقط أن يخفي أثر الشعور.

 

 

—

 

كان هناك من يتلقى الاعتذار بوجه ثابت.

 

يسمع الكلام.

 

يفهمه.

 

ثم يقول:

 

«ولا يهمك.»

 

وتعرف النفس أن الأمر كان يهمه يومًا.

 

لكن تكرار الخيبة علّمه ألا يمنح كل جرح فرصة جديدة.

 

صار يغلق الباب مبكرًا.

 

لا يشرح كثيرًا.

 

ولا يطلب تفسيرًا.

 

كأن شيئًا داخله قرر أن الخروج أقل ألمًا من الانتظار.

 

 

—

 

في العمل، قد تتحول التجربة نفسها إلى قسوة من نوع آخر.

 

شخص كان يمنح فريقه الوقت والثقة، ثم مرّ بتجارب جعلته يرى حسن النية مكلفًا.

 

بدأ يراجع كل شيء.

 

لا يصدق وعدًا بلا دليل.

 

لا يمنح فرصة ثانية بسهولة.

 

ولا يترك مساحة كبيرة للخطأ.

 

قد يبدو حازمًا.

 

وقد يكون حازمًا فعلًا.

 

لكن النفس كانت ترى ما وراء الحزم؛ خوفًا قديمًا من أن يُستغل اللين مرة أخرى.

 

 

—

 

القسوة أحيانًا ليست غياب الرحمة.

 

قد تكون رحمة استُنزفت.

 

والإنسان الذي أعطى كثيرًا ثم انكسر، قد يقرر أن يصبح أقل قابلية للكسر.

 

فيبدو أقسى.

 

أقل كلامًا.

 

أسرع في الانسحاب.

 

لكن النفس تعرف أن بعض القسوة ليست طبيعة جديدة.

 

إنها طبقة وُضعت فوق مكان شديد الحساسية.

 

ولهذا قد تكشفها لحظة واحدة.

 

كلمة صادقة.

 

يد تمتد دون مقابل.

 

شخص لا يستغل الضعف حين يراه.

 

عندها يتغير شيء صغير في الداخل.

 

ليس انهيارًا للجدار.

 

مجرد ارتخاء.

 

 

—

 

وفي إحدى الليالي، رأى الإنسان شخصًا يحتاج إلى مساعدة.

 

كان يستطيع أن يمر.

 

فعل ذلك مرات كثيرة من قبل.

 

لكنه توقف.

 

عاد خطوة.

 

مد يده.

 

لم يقل شيئًا.

 

فقط ساعده ثم مضى.

 

راقبت النفس المشهد طويلًا.

 

لم يكن القلب قد أصبح كما كان.

 

ولم تختفِ الخيبات.

 

لكن القسوة لم تعد صاحبة القرار الوحيد.

 

فقد يتعلم الإنسان الحذر دون أن يفقد رحمته.

 

وقد يعرف كيف يغلق الأبواب دون أن يغلق قلبه.

 

وهناك فرق دقيق بين الاثنين.

 

فالوجع حين يطول، قد يغيّر ملمس القلب…

 

لكن لا يملك وحده حق تحديد ما سيبقى فيه.