اضطرابات كاذبة
تأتيه نوبات القلق، فيخفق قلبه بقوة، حتى يشعر بألم ضرباته، كأنها تكاد تثقب قفصه الصدري. تضطرب أنفاسه، فينعدم الهواء من قصبته، ويختنق ببطء لا يُلاحظ، إلى درجة تحمرّ معها عيناه. أما أطرافه فتتجمد كالجليد، وكأن النوبات تنتزع كل حرارة جسده. ترتعش أصابع يديه بشدة، فلا يستطيع السيطرة عليها، ترتعش دون إرادة منه.
تسود الدنيا في نظره، ويرى نفسه نكرةً بلا روح، بلا هدف، بلا حياة، بلا شيء. يمكث في اللاشيء، ويتمنى لو أنه لم يأتِ إلى هذا الكون. ينظر إلى من حوله، فيراهم في سعادة مطلقة، يزيّن الفرح قلوبهم، بينما يكتسي قلبه بالحزن.
تأتيه تلك النوبات بسبب أشياء معينة؛ يظن أنه لا يقدر على مواجهتها، فتمثل له كابوسًا لا نجاة منه بمجرد الاستيقاظ. أماكن يخشى الاقتراب منها، مع أنها محطة من المحطات التي توصله إلى هدفه، ومرحلة من مراحل تحقيق أحلامه. وهكذا يصبح الخوف عائقًا يعرقل خطواته، ويقف بينه وبين ما يريد.
لكنه قرر في النهاية أن يخوض المخاطر من أجل نيل مراده. سأل نفسه: إلى متى سأبقى هكذا، خائفًا من مقابلة الحقيقة؟
صمّم على تجاوز تلك الاضطرابات، التي قد تكون في أصلها وهمًا؛ فالخوف قبل التجربة عجز، كما يُقال.
دخل تجارب كثيرة وهو مرتعب، ودخل أماكن كانت عنوانًا للهلع في حياته. بدأ يعتادها شيئًا فشيئًا، فالرهبة لم تُمحَ من المحاولة الأولى، ولم تختفِ من أول مواجهة، لكنه لم يكفّ عن المحاولة، حتى وهو مذعور. ومع تكرار التجربة، أخذ الخوف يتلاشى رويدًا رويدًا، حتى غاب عن عالمه.
اختفت تلك الاضطرابات بالمحاولة والتجربة والاعتياد، وزالت الأعراض عنه. عندها أدرك أن ما كان يخشاه لم يكن سوى وهم رسم في عقله صورة مخيفة لأشياء تشبه السراب، ثم سمح لذلك الوهم أن يؤثر في مستقبله وجسده.
حارب خوفه بالمواجهة والتجربة، واستوعب أنه كان يعيش في خيال كاذب لا علاقة له بالواقع.
وهو ليس وحده في ذلك؛ فكثير منا يمكث في تخيلات من نسج الوهم، لا صلة لها بالحقيقة، فتعترض طريقه إلى أمنياته، وتعرقل عليه الوصول إليها.
منا من يقاتل أوهامه بالتجربة والمواجهة، ومنا من يظل حبيسها مدى الحياة، يقضي عمره خائفًا من أشياء ليست في الواقع إلا كالسراب.
#رؤى_خالد_محمد






المزيد
حين تفضحُ الأرواحُ ما تسترُه الوجوه بقلم : سمية عمر عكاشة
هل تنتظر الغد أم لا ترغب به ! بقلم : سها مراد
لن يعودَ يَعْنيني أَبَدًا بقلم الكاتبة أماني سعيد