مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

لا يتوقف الحوار عند حدود الرواية، بل يمتد ليطرح أسئلة أعمق تتعلق بالكتابة في لحظات القسوة، وبقضايا المرأة، والأسرة، والمجتمع، وعلاقة الأدب بالمسؤولية الأخلاقية

المحرر: أحمد صلاح

 

في هذا الحوار المطوّل، يفتح المحرر أحمد صلاح مساحة صريحة للتأمل مع الكاتبة شيماء طارق، حول عملها الأخير «الكنز الذي لا يُشترى»، بوصفه نصًا أدبيًا يتجاوز الحكاية إلى مساءلة المعنى، والألم، والإيمان، والإنسان.

حوار كُتب بهدوء، ويُقرأ بتأنٍّ، ولا يقدّم إجابات جاهزة بقدر ما يفتح أبوابًا للتفكير.

 

■ بمجرد أن قرأت عنوان عملك الأخير «الكنز الذي لا يُشترى» قفزت إلى ذاكرتي على الفور بيت الشاعر الراحل أمل دنقل:

(هل ترى… هي أشياء لا تُشترى).

وتوقعت أن يكون مضمون العمل في الإطار نفسه.

فهل كان توقعي صحيحًا؟

 

– اختيارك لبيت أمل دنقل في محلّه، لأن بعض العناوين لا تأتي من فراغ.

توقّعك يلامس روح العمل، لكنه لا يحيط بها كاملة.

«الكنز الذي لا يُشترى» لا يقدّم فكرة جاهزة، بل يضع القارئ أمام رحلة يظنّ في بدايتها أنه يعرف الإجابة، ثم يكتشف أن الحقيقة أعمق، وأقسى، وأصدق مما توقّع.

الرواية لا تقول للقارئ ما هو الكنز، بل تتركه يمرّ بتجربة تجعله يعيد النظر في كل ما ظنّ يومًا أنه يمكن امتلاكه.

 

■ وهل تعمّدتِ أن تجعلي القارئ يظن أنه علم المغزى من العنوان، ثم يصدم بواقع العمل؟

 

– نعم، كان ذلك مقصودًا إلى حدٍّ كبير.

أنا أحب أن أترك القارئ يدخل العمل وهو يظنّ أنه أمسك بالخيط الأول، ثم يكتشف تدريجيًا أن الخيط يقوده إلى مساحات أوسع، وأشد تعقيدًا.

العنوان في هذه الرواية أشبه بمرآة؛ كل قارئ يرى فيها انعكاسًا مختلفًا بحسب تجربته وما يحمله في داخله.

والصدمة ليست في تغيّر المعنى، بل في اتّساعه.

 

■ وأيهما الغالب في كتابة هذا العمل، الفانتازيا أم الواقعية؟

 

– لا أتعامل مع العمل على أنه فانتازيا خالصة، ولا واقعية صِرفة.

ما كتبته يتحرّك في المنطقة الرمادية بين الاثنين؛ حيث تبدو الأشياء أحيانًا غير قابلة للتصديق، لكنها في حقيقتها أقرب إلى واقع نعيشه مما نتصوّر.

الفانتازيا كانت أداة، والواقعية كانت الجوهر، وما بينهما تُترك للقارئ حرية الاكتشاف.

 

■ إذًا هي واقع لمن وقع له؛ لكن ما الأجواء التي كانت مصاحبة لكتابة هذا العمل؟ وهل كانت تخدمك أم كانت ضدك؟

 

– كانت الأجواء قاسية أكثر مما كانت مريحة، نفسيًا وجسديًا.

لم تكن الكتابة سهلة، بل جاءت في وقت كنت أقاوم فيه فقدان الشغف، والضغط، وتراكم الأسئلة داخلي.

في لحظات كثيرة شعرت أن الظروف ضدي، لكنها – على قسوتها – كانت صادقة، ولذلك خدمت العمل دون أن تقصد.

بعض النصوص لا تُكتب في الهدوء، بل تُنتزع من التعب، وهذا العمل واحد منها.

 

■ وكيف قاومتِ فقدان الشغف، وكلما أمسكتِ قلمًا غلبك النوم أو الاضطراب أو الآلام النفسية؟

 

– لم يكن فقدان الشغف وحده هو التحدي، بل تزامن معه ضغط حقيقي من دار النشر، خاصة مع اقتراب مواعيد التسليم.

كنت أكتب في الأيام الأخيرة تحت ثقل الوقت، وفي لحظة لم أكن فيها أملك طاقة نفسية أو جسدية كافية.

كانت تلك المرة الأولى التي أشعر فيها بتعب نفسي وعضوي معًا، وكأن الجسد والعقل قررا التوقف في الوقت ذاته.

ومع ذلك لم تكن الكتابة هروبًا، بل محاولة هادئة للنجاة.

كتبت ببطء وبصدق، لا لأُرضي الموعد، بل لأُرضي النص.

وربما لهذا السبب خرج العمل أقرب إليّ مما توقعت، لأنه كُتب في أصعب لحظاته لا في أسهلها.

 

■ هل يحتاج الكاتب دائمًا للشعور بالألم حتى يعبر عن معاناة الناس؟

 

– صحيح، الألم لا يعلّمنا الكتابة بقدر ما يعلّمنا الإحساس.

هو يجعل الكلمة أصدق، ويمنح النص روحًا حقيقية، لأن من تألّم يعرف كيف يلمس وجع الآخرين دون تكلّف.

 

■ وهل استخدمتِ أدواتك الخاصة فقط في الكتابة، أم كانت معاناة الناس جزءًا منها؟

 

– اعتمدتُ في هذا العمل بدرجةٍ أكبر على معاناة الناس، وما أراه في المجتمع من آلامٍ حقيقية.

كنت أحرص على أن تكون الكتابة قريبة من الواقع، لا لمجرد عرض الوجع، بل لتقديم رسالة.

الأهم بالنسبة لي لم يكن المعاناة ذاتها، بل ما بعدها؛ أن أُظهر أن لكل ألم مخرجًا، وأن الله لا يترك من صدق معه، وأن من سار في طريقه لن يُخذل أبدًا.

 

■ بوصفك كاتبة مصرية شرقية، هل أثّر ذلك في هوية كتاباتك؟

 

– بالطبع، كوني كاتبة مصرية شرقية شرفٌ لي، وهو جزء من هويتي التي أحتفظ بها بفخر.

لكن كتاباتي لا تعرف حدود الوطن.

أكتب للخيال والواقع، للقضايا والقصص، للعالم كله، حاملة هويتي في روحي دون أن تحبسني حدود المكان.

 

■ وهل تعتبرين قضايا المرأة وحقوقها جزءًا من كتاباتك؟

 

– نعم، قضايا المرأة وحقوقها تشكّل جزءًا أساسيًا من كتاباتي.

أطرحها بأسلوب يليق بها، وأحثّها على المطالبة بحقوقها مهما كانت ضعيفة.

وأتناول هذه القضايا مستندة إلى القرآن الكريم والسنة النبوية، لأني أؤمن أن الكتابة رسالة لإبراز قوتها وقيمتها الحقيقية في المجتمع.

 

■ عظيم، فهل تجدين أن المرأة المصرية أو الشرقية بوجه عام فاقدة حقوقها؟

 

– المرأة المصرية والشرقية لم تُحرم حقوقها في الأصل؛ فالشريعة الإسلامية قد أعطتها حقها ورفعت قدرها.

لكن التحديات المجتمعية أحيانًا تشكّل حاجزًا أمام ممارسة هذه الحقوق.

لذلك ركّزت كتاباتي على إبراز مكانة المرأة كما أمرنا الله تعالى، وعلى التذكير بأن الحق لا يضيع مع الصبر والالتزام.

 

■ وما تفسيرك لمفهوم القوامة؟

 

– القوامة في الإسلام ليست استبدادًا أو سيطرة، بل هي مسؤولية وواجب فرضه الله على الرجل لرعاية المرأة وحماية حقوقها.

هي رعاية ورحمة وعدل، ومن يلتزم بها يؤدي حق الله وحق الناس، ومن يفرّط فيها يظلم ويضل.

 

■ ما رأيك في تفكك الأسر وكثرة الطلاق غير المبرر؟ ومن المسؤول عنه؟

 

– ما نشهده اليوم من تفكك أسري وكثرة طلاق بلا مبررات حقيقية ليس خللًا في العلاقات بقدر ما هو قسوة تسللت إلى القلوب.

غابت الرحمة، وقلّ العذر، وضعف الصبر.

والمسؤولية هنا مشتركة بين نفوس لم تُزكَّ، وضمائر غفلت، ومجتمع شجّع الانفصال أكثر مما علّم الاحتواء.

 

■ وكيف تعالجين مثل هذه القضايا في كتاباتك؟

 

– أعالج هذه القضايا من منطلق إنساني وديني معًا.

أقترب من الوجع دون تجميل، وأكشف الخلل دون قسوة، ثم أترك للقارئ باب الأمل مفتوحًا.

لا أقدّم وعظًا مباشرًا، بل رسالة تُلامس الضمير.

 

■ هل تميلين في كتاباتك إلى الواقع أكثر أم إلى الرؤية الفلسفية؟

 

– أميل إلى الجمع بين الواقع والتأمل الفكري.

الواقع هو ما نعيشه، والتأمل هو ما يمنحه المعنى.

أكتب بلغة بسيطة، لكن برسالة عميقة.

 

■ ما الحلم الذي لم يتحقق بعد، ولن تتواني عن تحقيقه؟

 

– أن أرى المجتمع أكثر صلاحًا ورحمة، وأن أكون سببًا – ولو بكلمة – في إصلاح قلب أو تقويم فكرة.

أكتب وأنا أستشعر أن الكلمة أمانة، وأنها إمّا أن تكون نورًا في ميزان حسناتي، أو عبئًا أسأل عنه يوم ألقاه.

 

■ وما السؤال الذي كنتِ تتمنين أن أطرحه ولم أفعل؟

 

– لماذا «الكنز الذي لا يُشترى»؟ وما الذي يجعل هذا الكنز مختلفًا عن كل ما نظنه كنوزًا؟

 

■ تفضّلي بالإجابة.

 

– لم نكن نبحث عن ذهبٍ أو فضة.

كنا نمشي لأن الطريق كان يدعونا.

وكل خطوة كانت سؤالًا.

وفي نهاية الرحلة وجدنا كنزًا حقيقيًا.

لكن من عرف قيمته لم يعد كما كان.

 

■ نصيحة أخيرة للكتّاب الجدد؟ 

 

– اكتبوا بقلوب صافية وضمائر يقظة.

فكل كلمة مسؤولية.

والإبداع الحقيقي ليس في الكم، بل في عمق المعنى ونبل الرسالة.

 

يضعنا هذا الحوار أمام تجربة كاتبة ترى في الأدب فعلًا أخلاقيًا قبل أن يكون جماليًا، وفي الكلمة أمانة لا تُكتب عبثًا.

«الكنز الذي لا يُشترى» كما يتبدّى من هذا الحوار، ليس بحثًا عن شيء مفقود، بل رحلة وعي، واختبار صدق، ومحاولة للنجاة بالمعنى.

حوار يترك أثره في الأسئلة التي يثيرها، أكثر من الإجابات التي يقدّمها.