ك
كل هذا يحدث في الخارج
بقلم الكاتب هاني الميه
لكن شيئًا منه يحدث فينا
الفصل الأول: حين يصبح العالم داخل رأسك
في الصباح، وقبل أن يفتح عينيه تمامًا، مدّ يده إلى هاتفه.
لم يكن يبحث عن شيء محدد.
هذه هي المشكلة.
فتح الشاشة كما يفعل كل يوم، وكأن يده تعرف الطريق قبل أن يستيقظ عقله.
خبر عاجل.
صورة لمدينة لا يعرفها.
رجل يحمل طفلًا تحت الأنقاض.
أرقام جديدة عن الأسعار.
تحليل عن المستقبل.
تحذير من أزمة قادمة.
فيديو قصير لشخص يصرخ.
إعلان عن وظيفة.
صورة لشخص يعرفه يقضي إجازة في مكان جميل.
رسالة من العمل.
رسالة لم يجب عنها منذ الأمس.
ثم خبر آخر.
ثم خبر آخر.
وبعد دقائق قليلة، كان قد انتقل من سريره إلى نصف العالم.
لكنه لم ينتقل خطوة واحدة من مكانه.
ظل جسده مستلقيًا.
أما نفسه، فكانت تركض.
لم يكن قد شرب قهوته بعد، لكنه كان قد شعر بالخوف.
لم يبدأ عمله، لكنه شعر بالتقصير.
لم يحدث له شيء، لكنه شعر بالتهديد.
لم يفقد أحدًا في ذلك الصباح، لكنه مرّ للحظات أمام الموت.
ولم يكن يعرف أيًّا من أولئك الذين ظهروا على شاشته، ومع ذلك حمل شيئًا من أحزانهم معه.
أغلق الهاتف.
نظر إلى السقف.
وقال في داخله:
«لماذا أشعر بكل هذا وأنا لم يحدث لي شيء؟»
السؤال يبدو بسيطًا.
لكنه ليس كذلك.
لأن الإنسان لم يعد يعيش فقط ما يحدث له.
لقد أصبح يعيش أيضًا ما يراه.
وما يسمعه.
وما يتوقعه.
وما يخشاه.
وما يقرأه قبل أن يغسل وجهه.
وهنا بدأت مشكلة جديدة لم تكن واضحة في البداية:
العالم لم يعد خارجنا.
لقد وجد طريقه إلى الداخل.
كان الإنسان في الماضي يستطيع، ولو لساعات، أن يبتعد عن الأحداث.
ينتهي يومه.
يغلق الباب.
ينام.
فتصبح الحرب بعيدة.
والأزمة بعيدة.
والخبر بعيدًا.
ومشكلات الآخرين تبقى في أماكنها.
أما الآن، فقد صار العالم يعرف طريقه إلى جيبك.
يهتز هاتفك، فتدخل أزمة جديدة.
تفتح شاشة، فتجد مأساة.
تغلقها، فتظهر لك أخرى.
تريد أن تستريح، فيذكّرك أحدهم بأن العالم لا يستريح.
تريد أن تفرح، فتشاهد شخصًا يتألم.
تريد أن تنام، فتقرأ عن كارثة حدثت في مكان بعيد.
ثم تستيقظ في الصباح لتجد أن العالم قد سبقك إلى يومك.
لم يعد هناك صباح هادئ بالمعنى القديم.
هناك صباح يبدأ بالأخبار.
والأخبار لا تعرف الرحمة.
إنها لا تسأل النفس:
هل أنت مستعد؟
هل نمت جيدًا؟
هل تستطيع احتمال هذا؟
هل لديك مساحة إضافية للخوف؟
هي فقط تصل.
ثم تصل غيرها.
ثم غيرها.
حتى يصبح الإنسان في نهاية اليوم مثل غرفة امتلأت بالأثاث دون أن يسأل أحد إن كانت تتسع.
المشكلة ليست أننا نعرف أكثر.
المعرفة في ذاتها ليست مشكلة.
المشكلة أننا نتعرض لأشياء أكثر مما تستطيع النفس أن تهضم.
هناك فرق بين أن تعرف أن العالم يمر بأزمة، وبين أن تعيش عشرات الأزمات يوميًا من خلال الشاشة.
هناك فرق بين أن تسمع خبرًا مؤلمًا، وبين أن ترى صورته، ثم تفاصيله، ثم تعليقات الناس عليه، ثم تحليلاته، ثم توقعات الغد، ثم فيديوهات قديمة يعاد نشرها وكأنها تحدث الآن.
العقل يعرف أن الشاشة مجرد شاشة.
لكن النفس لا تتعامل دائمًا بهذه البرودة.
إنها ترى الألم فتتأثر.
تسمع الصراخ فتتوتر.
تقرأ عن المستقبل فتبدأ في بناء احتمالاته داخلها.
وهكذا يمكن لشيء لم يحدث لك أن يغيّر نبضك.
ولشيء لم تصل إليه أن يفسد نومك.
ولاحتمال لم يقع أن يجعلك تتصرف كأنه حقيقة.
وهنا يبدأ القلق في ارتداء ثوب جديد.
لا يأتيك دائمًا قائلًا:
«أنا خائف».
أحيانًا يأتيك في صورة سؤال:
ماذا لو؟
ماذا لو ارتفعت الأسعار أكثر؟
ماذا لو فقدت عملي؟
ماذا لو تغير العالم؟
ماذا لو أصبح كل شيء أصعب؟
ماذا لو حدث ذلك لي؟
ماذا لو لم أستطع حماية من أحب؟
ومع كل «ماذا لو»، تبني النفس غرفة جديدة للخوف.
ثم تسكنها.
ولعل أكثر ما يرهق الإنسان اليوم أنه أصبح يشعر بأنه مسؤول عن فهم كل شيء.
يستيقظ فيجد الناس يتحدثون عن الاقتصاد.
فيقرأ.
ثم عن السياسة.
فيقرأ.
ثم عن الذكاء الاصطناعي.
فيقرأ.
ثم عن المستقبل.
فيقرأ.
ثم عن التربية.
والصحة.
والعمل.
والعلاقات.
والأمن.
والمناخ.
والأسواق.
والحروب.
والهجرة.
والوظائف.
وكأن العالم قرر أن يحوّل الإنسان العادي إلى محلل دائم لأحداث لا يملك السيطرة عليها.
ثم يسأله في نهاية اليوم:
لماذا أنت متعب؟
لأنك قضيت يومك تحاول أن تحمل العالم في رأسك.
نحن نعيش زمنًا غريبًا.
لم يعد الإنسان يحتاج إلى أن يكون في مكان الحدث حتى يتأثر به.
يكفي أن يكون متصلًا.
وهذه نعمة عظيمة من جهة.
لكنها قد تتحول إلى عبء حين يفقد الإنسان القدرة على تحديد ما يدخل إليه وما يبقى خارجه.
ليس كل خبر يحتاج إلى أن يصبح شعورًا.
وليس كل حدث يحتاج إلى أن يسكن الذاكرة.
وليس كل مشكلة في العالم مطالبة بأن تجد لها مكانًا في صدرك.
هذه ليست قسوة.
هذه حدود نفسية.
فالإنسان الذي يشعر بكل شيء طوال الوقت قد يصل في لحظة إلى مرحلة لا يعود فيها قادرًا على الشعور بأي شيء.
وهذه أخطر مراحل الإرهاق.
حين تتعب النفس من كثرة التأثر، تبدأ في حماية نفسها بطريقة قاسية:
تتبلد.
تمر أمام الألم دون أن تتوقف.
تسمع الخبر ثم تنتقل إلى المقطع التالي.
تشاهد مأساة، ثم تضحك بعد ثوانٍ على فيديو آخر.
ليس لأنها أصبحت بلا قلب.
بل لأن القلب نفسه لم يعد يعرف أين يضع كل ما وصل إليه.
وفي وسط هذا كله، هناك سؤال أكثر عمقًا:
متى يصبح الوعي عبئًا؟
ربما حين تعرف أكثر مما تستطيع أن تفعل.
وحين ترى أكثر مما تستطيع أن تغيّر.
وحين تسمع أكثر مما تستطيع أن تحتمل.
وحين يتحول الاطلاع إلى مراقبة مستمرة للعالم.
وحين يصبح العقل في حالة تأهب حتى عندما لا يوجد خطر أمامه.
ذلك الإنسان الذي يجلس في منزله آمنًا، لكنه يراجع الأخبار كل عشر دقائق، ليس بالضرورة شخصًا مهتمًا فقط.
ربما هو شخص فقد إحساسه بأن له الحق في إغلاق الباب.
ربما صار يخشى أن يفوته شيء.
والأخطر من الخوف من حدوث شيء…
هو الخوف من أن يحدث شيء وأنت لا تعرفه.
ولهذا أصبح الهاتف عند كثيرين ليس وسيلة اتصال فقط.
بل جهاز إنذار دائم.
وقد يبدو الأمر بسيطًا.
«اترك الهاتف».
لكن النفس لا تتعلق بالشاشة وحدها.
هي تتعلق بما تمنحه الشاشة من إحساس زائف بالسيطرة.
حين تعرف، تشعر أنك مستعد.
وحين تتابع، تشعر أنك لن تُفاجأ.
وحين تقرأ التحليلات، تتخيل أنك فهمت القادم.
لكن الحياة لا تعطي الإنسان هذا النوع من الضمان.
قد تعرف كل الأخبار، ولا تستطيع منع خبر واحد من أن يطرق بابك.
وقد تتابع المستقبل كل صباح، ثم يأتيك المستقبل من طريق لم تتوقعه.
وقد تقضي ساعات في محاولة فهم العالم، بينما الشيء الوحيد الذي يحتاج منك فهمًا حقيقيًا هو نفسك.
في المساء، عاد الرجل إلى منزله.
جلس إلى جوار أسرته.
كان الجميع يتحدثون.
لكنه كان شاردًا.
لم يكن يفكر في مشكلة تخصه.
كان يفكر في أشياء كثيرة لا تخصه مباشرة.
خبر قرأه.
صورة شاهدها.
توقعًا سمعه.
أزمة يخشى أن تتفاقم.
ثم سأله أحدهم:
«هل أنت بخير؟»
رفع رأسه.
ابتسم.
وقال:
«بخير».
لكنه لم يكن يعرف كيف يشرح أن شيئًا ما في داخله أصبح مزدحمًا.
لم يكن هناك حدث واحد يستطيع أن يشير إليه ويقول:
هذا هو سبب تعبي.
كان التعب موزعًا.
قليلًا من الأخبار.
قليلًا من الخوف.
قليلًا من المستقبل.
قليلًا من العمل.
قليلًا من المقارنة.
قليلًا من المسؤوليات.
وقليلًا من الأشياء التي لم تحدث أصلًا، لكنه عاش احتمال حدوثها حتى تعب.
وهكذا اكتشف شيئًا متأخرًا:
ليست كل الأعباء التي نحملها أشياء حدثت لنا.
بعضها أشياء شاهدناها.
وبعضها أشياء توقعناها.
وبعضها أشياء خفنا منها.
وبعضها أشياء لم تحدث أبدًا.
ومع ذلك…
عاشت داخلنا كما لو أنها حدثت.
ربما لهذا أصبح الإنسان المعاصر بحاجة إلى مهارة لم يتعلمها في المدرسة:
أن يعرف ما الذي يجب أن يسمح له بالدخول إلى نفسه.
ليس كل ما يحدث في الخارج يجب أن يحدث في الداخل.
العالم سيظل مزدحمًا.
الأخبار ستستمر.
الأزمات ستأتي وتذهب.
التكنولوجيا ستتغير.
الناس ستختلف.
المستقبل سيظل مجهولًا.
لكن النفس لا تستطيع أن تكون غرفة انتظار لكل شيء.
يجب أن يكون لها باب.
وأن تعرف متى تفتحه.
ومتى تغلقه.
ليس هروبًا من العالم.
بل حفاظًا على القدرة على العيش فيه.
لأن الإنسان إذا حمل كل ما يحدث في الخارج إلى داخله…
فلن يبقى في داخله مكان للحياة التي تحدث له هو.
رسالة الفصل
ليس مطلوبًا منك أن تحمل العالم كي تثبت أنك واعٍ به.
أن تعرف ما يحدث لا يعني أن تعيشه كله.
وأن تتعاطف مع الألم لا يعني أن تحوّل نفسك إلى مستودع له.
هناك أحداث يجب أن نتابعها.
وأحداث يجب أن نشارك في تغييرها.
وأحداث يجب أن ندعو لأصحابها.
لكن هناك أيضًا أشياء يجب أن نتركها خارج الباب…
لأن النفس التي لا تعرف كيف تضع حدودًا للعالم، قد تستيقظ يومًا لتكتشف أن العالم أخذ منها المكان كله.
تمهيد للفصل القادم
لكن المشكلة لا تبدأ دائمًا من الأخبار.
أحيانًا تبدأ من شيء أقرب إلينا بكثير…
من الخوف من الغد.
فحتى حين يهدأ العالم قليلًا، قد لا تهدأ النفس.
لأن الإنسان لا يعيش فقط ما يحدث الآن.
إنه يعيش أيضًا ما يتخيله سيحدث غدًا.
وهناك، في المستقبل الذي لم يصل بعد، تبدأ معركة أخرى…






المزيد
أنا والحياة بقلم سها مراد
حين تتبدل الوجوه بقلم ابن الصعيد الهواري
بعض الرحيل لا مساء له بقلم رحمة محمود حسن