بقلم/ يحيى القطب
مثلٌ شعبي ساخر، لكنه يصف بدقة نمطًا بشريًا شائعًا؛ إنسان لا يتحرّك إلا في المساحات الصغيرة، ولا يشعر بقيمته إلا إذا التقط تفصيلة تافهة، ونفخها، ورفعها كدليل انتصار. لا يهمه المعنى، ولا السياق، ولا روح الكلام، المهم أن “يمسك واحدة”.
هذا النمط لا يصغي ليستوعب، بل ليختبر. كل ما يُقال أمامه يخضع للفحص لا للفهم. الجملة ليست فكرة، بل احتمال خطأ. الحوار ليس تبادلًا، بل فرصة ترصّد…. يتحرّى أدقّ الأمور، لا حبًا في الدقة، بل شغفًا بالاصطياد.
وكأن الحياة عنده محكمة دائمة، وهو القاضي والنيابة في آنٍ واحد.
ربما المشكلة ليست في قلة الفهم، وإنما في الإفراط في تحرّي ما لا يستحق التحري… فبعض الناس لا ينقصهم الذكاء، بل تنقصهم الراحة.
المفارقة أن هذا الإنسان قد ذكيًا، ومنجزًا في تخصصه ومجاله… لكنه ذكاء القَلِق، لذلك يعمل طوال الوقت في الاتجاه الخطأ.
فبدلاً من أن ينشغل بنفسه، ينشغل بغيره… وبدل أن يُنمّي قدرته، يستهلكها في المراقبة والمقارنة، فيعيش وكأنه في سباق لم يُدعَ إليه، ويغضب لأنه لا يتصدره.
ومع الوقت، يصبح غير قادر على التعامل مع اللغة بوصفها معنى! فتجد؛ المجاز يربكه، السخرية تزعجه، والإشارة الذكية تستفزه.
لا يرى إلا الحرف، ويتمسّك به، ليس حبًا في الدقة، بل خوفًا من العمق…
لأن العمق يتطلب ثقة، وهو لا يثق… المرونة تحتاج أمانًا داخليًا، وهو يفتقده… لذلك يختار الطريق الأسهل: تفكيك الكلام إلى معادلات، وتحويل الأفكار إلى أكواد، وقتل المعنى باسم المنطق.
هذا النمط يقيس نفسه دائمًا بغيره، لأنه لا يعرف قيمته إلا بالمقارنة.
لذلك تجد نجاح الآخرين لا يُسعده ولا يُحفّزه، بل يضغط على منطقة حساسة داخله… فيشعر أن الضوء يُسحب منه، وأن مكانه مهدد، حتى لو لم يكن أحد ينافسه أصلًا.
هنا تبدأ لعبة التقليل: تقليل من الإنجاز، من الطريق، من الفكرة، من القيمة، ليس لأنه لا يؤمن بها، بل لأنه يحتاج أن يُخفف وطأة شعوره بالنقص.
في التفاصيل اليومية، يظهر هذا النمط في صورة دقة انتقائية… حريص حين يكون الحرص في صالحه، متشدّد حين يحاسِب غيره، ومتساهل تمامًا حين يُطالَب بذوق أو كرم أو مرونة.
يحفظ الحساب، لكنه لا يفهم السياق… يتقن الأرقام، ويتجاهل الروح… يتعامل مع العلاقات كأنها معاملات، ومع الناس كأنهم بنود.
وهنا لا يكون البخل ماديًا فقط، بل نفسيًا أيضًا، بخل في التقدير، في الاعتراف، في الامتنان… كلمة بسيطة مثل “أحسنت” تُرهقه، والإشادة بغيره تُشعره بالخسارة.
كأن أي اعتراف بقيمة الآخر يُنقص من رصيده هو!!
فيتحصّن بالبرود، ويتستّر بالصرامة، ويظن أن ذلك هيبة، بينما هو في الحقيقة دفاع…
ظاهريًا، يبدو هذا الإنسان مغرورًا، متعاليًا، واثقًا بنفسه… لكن عند أول مواجهة حقيقية، أول نقاش عميق، أول موقف يتطلب اتساع صدر، ينسحب.
لا لأنه انتصر، بل لأنه لا يحتمل انكشاف هشاشته… غروره ليس قوة، بل قشرة رقيقة فوق خوف قديم من أن يكون عاديًا، أو أقل مما يتمنى.
اجتماعيًا، هذا النمط يُرفض بهدوء، لا أحد يعلن ذلك، ولا أحد يواجهه صراحة، لكن الدوائر تضيق حوله تلقائيًا. المجالس تملّ، العلاقات تبهت، والمساحات المشتركة تصبح أقل.
ليس عقابًا، بل لأن الناس بطبعها تبتعد عمّن يستنزف أكثر مما يضيف، وعمّن يحوّل كل لقاء إلى امتحان، وكل حديث إلى فخ.
في النهاية، نحن لا نتحدث عن شخص، بل عن نمط. نمط قابل للتكرار، وقابل للفهم، وقابل — نظريًا — للتغيير. لكنه لا يتغير بالهجوم عليه، ولا بتسميته، بل حين يدرك أن الذكاء لا يُقاس بعدد الأخطاء التي يلتقطها في غيره، وأن القيمة لا تُبنى على إنكار قيمة الآخرين، وأن التفاهة حين تتحوّل إلى طريقة عيش، تصبح عبئًا ثقيلًا… على صاحبها قبل أي أحد آخر.
إنَّ المجتمعات لا تُرهقها الأخطاء الكبيرة بقدر ما تُرهقها التفاهات الصغيرة حين تتحوّل إلى طريقة عيش.
وحين تصبح المراقبة بديلًا عن المعنى، والتشكيك بديلًا عن الثقة، يفقد الذكاء وظيفته، وتتحوّل القدرة إلى عبء.






المزيد
أزمة الانتماء.. هل علينا أن نتقبل أحياناً أننا بلا قيمة بالنسبة للآخرين؟
التحديات النفسية التي تواجه المرأة في المجتمع الحديث
كيف تصبح كاتبًا بدون موهبة؟