مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حين تصبح العادة أقوى من الرغبة بقلم هانى الميهى

حين تصبح العادة أقوى من الرغبة
هانى الميهى

الفصل السادس
مَنْ يُقَرِّرُ عَنْكَ؟
كيف تقودك أشياء لا تراها إلى حياة لم تخترها

أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى من يمنعه.
يكفي أن يعتاد.

يعتاد التأجيل حتى يصبح التأجيل طريقته فى التعامل مع الحياة. يعتاد الصمت حتى يصبح الكلام بالنسبة إليه مخاطرة. يعتاد وظيفة لا يحبها حتى يخاف من تركها أكثر مما يكره البقاء فيها. يعتاد علاقة تؤلمه حتى يبدأ فى تسمية الألم استقرارًا.

والأغرب أنه قد يعرف كل ذلك.

يعرف أنه يريد التغيير.

يتحدث عنه.

يخطط له.

وربما يكتب أهدافه فى دفتر جديد، ويشترى قلمًا جميلًا، ويضع موعدًا للبداية…

ثم يأتى الموعد.

ولا يحدث شيء.

كأن هناك شيئًا داخله يقول له بهدوء:

«ابقَ كما أنت… فهذا المكان أعرفه.»


نحن لا نخاف دائمًا من الحياة الجديدة.

أحيانًا نخاف من مغادرة الحياة القديمة، حتى لو كانت تؤذينا.

فالشيء المألوف يمنح النفس نوعًا غريبًا من الأمان.

ليس لأنه جيد.

بل لأنه معروف.

أنت تعرف كيف تتعامل مع مديرك الصعب.

تعرف كيف تتجنب غضب زوجتك.

تعرف كيف تسكت عندما يضايقك أحد.

تعرف كيف تؤجل مشروعك.

تعرف كيف تنفق مالك.

تعرف كيف تعود إلى الشخص نفسه بعد كل خلاف.

أنت تعرف قواعد اللعبة.

أما التغيير…

فلا يملك قواعد واضحة.

ولهذا قد يختار الإنسان ألمًا يعرفه على احتمال راحة لا يعرف طريقها.


قد يقول موظف:

«سأترك العمل قريبًا.»

يمر شهر.

ثم شهر آخر.

ثم عام.

لا يزال هناك.

يسأله أحدهم:

«لماذا لم تترك؟»

فيقول:

«الوقت غير مناسب.»

لكن متى يكون الوقت مناسبًا تمامًا؟

متى تصبح الحياة خالية من المخاطر؟

ربما لا يكون ما يمنعه هو الوقت.

ربما هو الاعتياد.

لقد أصبح المكتب جزءًا من يومه، والزملاء جزءًا من عالمه، والراتب موعدًا ثابتًا، حتى إن كره المكان.

صار الخروج يحتاج إلى طاقة نفسية أكبر من طاقة الاحتمال.

وهكذا يتحول الاعتياد إلى قيد لا نراه.


والعادة لا تظهر فقط فى الأشياء الكبيرة.

قد تبدأ من طريقة صغيرة فى التفكير.

تعتاد أن ترى نفسك أقل من غيرك.

فتدخل كل مكان وأنت تتوقع الرفض.

تعتاد أن تقول:

«لن أنجح.»

فتتوقف قبل البداية.

تعتاد أن تفسر كل فرصة باعتبارها خطرًا.

فتصبح الحياة كلها أمامك أبوابًا مغلقة، مع أن بعض الأبواب لم تحاول فتحها أصلًا.

وحين يكرر الإنسان الفكرة نفسها سنوات، تصبح الفكرة جزءًا من هويته.

لم يعد يقول:

«أنا أخاف من الفشل.»

بل:

«أنا شخص لا يحب المخاطرة.»

ولم يعد يقول:

«أخشى أن يرفضنى الناس.»

بل:

«أنا شخص هادئ ولا أحب المشاكل.»

نحن لا نغير الحقيقة دائمًا.

أحيانًا نغير اسمها فقط حتى نستطيع التعايش معها.


وهذا ما يجعل النفس بحاجة إلى يقظة.

لأن الإنسان يستطيع أن يتعايش مع الشيء حتى ينسى أنه كان يريد تغييره.

قد تدخل علاقة وأنت تقول:

«سأتحمل هذه المرحلة.»

ثم تصبح السنوات مراحل متتالية.

وقد تدخل وظيفة وتقول:

«سأبقى حتى أجد الأفضل.»

ثم يصبح البحث عن الأفضل مشروعًا مؤجلًا إلى أجل غير معلوم.

وقد تقول:

«سأهتم بصحتى عندما أرتب عملى.»

ثم يزداد العمل.

وقد تقول:

«سأجلس مع أبنائى عندما تنتهى هذه الفترة.»

ثم تكتشف أن الأطفال كبروا، وأن الفترة لم تنتهِ.

هناك أشياء لا تنتظر حتى تصبح مستعدًا.


وأحيانًا تكون العادة أقوى لأنها تعطينا عذرًا.

الإنسان الذى يعرف أنه يعيش خطأً لكنه لم يتغير يستطيع أن يقول:

«هكذا تعودت.»

وكأن الاعتياد يلغي المسؤولية.

لكنه لا يلغيها.

أن تكون قد اعتدت شيئًا يفسر صعوبة التغيير، لكنه لا يجعل التغيير مستحيلًا.

والنفس التى اعتادت طريقًا تستطيع أن تتعلم طريقًا آخر.

ببطء.

بتعب.

بسقوط أحيانًا.

لكنها تستطيع.


وهنا يظهر جانب عميق من الإيمان.

فالإنسان ليس مشروعًا مكتملًا منذ ولادته.

هو فى حالة تشكل دائم.

كل يوم يضيف شيئًا إلى نفسه.

وقد يضعف اليوم، ثم يقاوم غدًا.

وقد يعود إلى خطأ، ثم ينهض منه.

والقيمة ليست فى أن تقول:

«أنا هكذا.»

وكأن الجملة حكم نهائى.

القيمة أن تسأل:

«هل أريد أن أبقى هكذا؟»

فليس كل ما اعتدته قدرًا.

بعضه مجرد تكرار.

والتكرار يمكن كسره.


لكن كسر العادة لا يبدأ دائمًا بفعل كبير.

أحيانًا يبدأ بلحظة وعي.

أن تلاحظ أنك تكرر الجملة نفسها.

نفس الغضب.

نفس التأجيل.

نفس الاختيار.

نفس الانسحاب.

أن تتوقف وسط الموقف وتقول:

«لقد فعلت هذا من قبل.»

هذه الجملة البسيطة قد تكون بداية التغيير.

لأنك للمرة الأولى لم تكن داخل العادة فقط…

بل رأيتها من الخارج.


تخيل شخصًا يغضب كلما شعر أن أحدًا ينتقده.

فى الماضى كان يغضب فورًا.

ثم يبرر:

«هو الذى استفزنى.»

لكن فى يوم ما، وقبل أن يرد، يتوقف.

يسأل نفسه:

«لماذا أشعر أن كل نقد إهانة؟»

لا يملك الإجابة.

لكنه سأل.

وفى هذه المسافة الصغيرة بين الشعور ورد الفعل، بدأت مساحة جديدة تظهر.

مساحة اسمها:

الاختيار.


ربما لا نستطيع منع الشعور الأول.

لكننا نستطيع أحيانًا أن نختار ما نفعله بعده.

قد تشعر بالغضب.

لكن هل يجب أن تؤذى؟

قد تشعر بالخوف.

لكن هل يجب أن تهرب؟

قد تشعر بالغيرة.

لكن هل يجب أن تظلم؟

قد تشعر بالكسل.

لكن هل يجب أن تؤجل؟

هذه المسافة بين الشعور والفعل هى واحدة من أهم المساحات التى يمكن للإنسان أن يستعيد فيها نفسه.


وفى العمل، قد يعتاد المدير أن يفعل كل شيء بنفسه.

يقول:

«لا أحد يفهم مثلى.»

ثم يشتكى من ضغط العمل.

هو لم يعد فقط مديرًا يرفض التفويض.

لقد أصبح أسيرًا لعادته.

الفريق لم يتعلم.

وهو لم يتفرغ.

والعمل كله أصبح مربوطًا بشخص واحد.

وقد يحتاج التغيير إلى قرار بسيط:

أن يترك مهمة لغيره.

قد يخطئ الموظف.

وقد تكون النتيجة أقل جودة فى البداية.

لكن المدير الذى يريد بناء مؤسسة لا يستطيع أن يجعل نفسه مركز كل شيء.

فالعادة التى جعلته يشعر بالسيطرة قد تصبح مع الوقت سببًا فى اختناقه.


وهكذا يحدث فى الحياة.

الشيء الذى كان يساعدك يومًا قد يتحول إلى عبء إذا استمر دون مراجعة.

الصمت كان يحميك.

ثم أصبح يعزلك.

الحرص كان يحميك.

ثم أصبح يمنعك.

القوة كانت تنقذك.

ثم أصبحت تمنعك من طلب المساعدة.

العمل كان يبنيك.

ثم أصبح يستهلكك.

التضحية كانت جميلة.

ثم تحولت إلى إلغاء للنفس.

ليست المشكلة دائمًا فى البداية.

المشكلة أننا لا نعرف متى يجب أن نتوقف.


ولذلك لا يكفى أن تسأل:

«ما الذى أفعله؟»

اسأل:

«هل ما أفعله ما زال يخدمنى؟»

هذه الجملة وحدها قادرة على إعادة النظر فى أشياء كثيرة.

قد تكتشف أن بعض العادات لم تعد تناسب الإنسان الذى أصبحت عليه.

وهذا طبيعى.

فالإنسان يتغير.

لكن أحيانًا نصر على حمل نسخة قديمة من أنفسنا إلى حياة جديدة.


وقد يكون أصعب تغيير هو أن تتخلى عن الصورة التى اعتدت أن ترى نفسك بها.

إذا كنت دائمًا «الشخص الذى يتحمل»، فسيكون من الصعب أن تقول:

«لا أستطيع.»

إذا كنت دائمًا «العاقل»، سيكون من الصعب أن تعترف بأنك ارتكبت خطأ.

إذا كنت دائمًا «الناجح»، سيكون من الصعب أن تبدأ شيئًا جديدًا وأنت مبتدئ.

إذا كنت دائمًا «القوى»، سيكون من الصعب أن تطلب يدًا تمتد إليك.

لكن الحياة لا تتطلب منك أن تحافظ على الصورة.

تطلب منك أن تحافظ على الإنسان.


والإنسان الذى يريد أن يتغير لا يحتاج دائمًا إلى أن يعلن ذلك.

لا تحتاج أن تقول للجميع:

«سأتغير.»

ابدأ.

غيّر شيئًا صغيرًا.

قل «لا» مرة واحدة.

أغلق الهاتف واجلس مع ابنك.

ابدأ المهمة التى أجلتها.

اعتذر.

اطلب المساعدة.

اترك ما يؤذيك حين يصبح بقاؤك فيه ظلمًا لنفسك.

التحول الحقيقى لا يحتاج دائمًا إلى إعلان.

أحيانًا يحدث فى صمت.


والمفارقة أن الإنسان قد ينتظر لحظة كبيرة ليغير حياته، بينما حياته تتغير أصلًا من الأشياء الصغيرة التى يكررها كل يوم.

قرار صغير.

كلمة صغيرة.

ساعة إضافية فى العمل.

نوم متأخر.

تأجيل جديد.

إنفاق غير محسوب.

صمت عن مشكلة.

كلها تبدو صغيرة.

لكن الإنسان لا يصنع حياته من القرارات الكبيرة وحدها.

يصنعها أيضًا من الأشياء التى يكررها حتى تصبح طبيعية.


لذلك لا تحتقر العادة.

فكما تستطيع أن تسجنك، تستطيع أن تنقذك.

أن تعتاد القراءة.

أن تعتاد الصدق.

أن تعتاد مراجعة نفسك.

أن تعتاد تنظيم وقتك.

أن تعتاد أن تقول ما تقصده دون إيذاء.

أن تعتاد أن تؤدى عملك بإتقان حتى عندما لا يراقبك أحد.

الإنسان فى النهاية يصبح قريبًا من الأشياء التى يكررها.

فالسؤال ليس فقط:

«ماذا أفعل اليوم؟»

بل:

«إلى أى إنسان يصنعنى ما أفعله كل يوم؟»


قد تكتشف بعد سنوات أنك لم تكن تحتاج إلى حياة مختلفة.

كنت تحتاج إلى عادات مختلفة.

وقد تكتشف أن مشكلتك لم تكن فى ضعف الإرادة.

بل فى أنك كنت تضع نفسك كل يوم فى البيئة نفسها، وتنتظر نتيجة مختلفة.

وهنا يصبح التغيير أكثر واقعية.

لا تنتظر أن تصبح شخصًا آخر فى ليلة.

غيّر ما تفعله باستمرار.

فالأفعال الصغيرة حين تتكرر لا تبقى صغيرة.

إنها تتحول إلى شخصية.

والشخصية تتحول إلى مصير إذا لم ننتبه.


فى النهاية، ليست العادة عدوًا.

إنها مرآة.

تخبرك بما تفعله حين لا تفكر.

وهنا السؤال الذى يستحق أن تأخذه معك:

إذا كانت حياتك اليوم نتيجة الأشياء التى تكررها، فهل أنت راضٍ عن الإنسان الذى تصنعه هذه الأشياء؟

قد لا يعجبك الجواب.

لكن لا تخف منه.

فالاعتراف بأنك اعتدت طريقًا خاطئًا لا يعنى أنك مضطر إلى إكماله.

يمكنك أن تتوقف.

يمكنك أن تعيد الاختيار.

يمكنك أن تبدأ من مكانك الآن.

فالحياة لا تسألك كم مرة فشلت فى التغيير.

تسألك:

ماذا ستفعل بعد أن عرفت؟

رسالة الفصل

ليست كل القيود حولك؛ بعضها يعيش فى الأشياء التى كررتها حتى نسيت أنك كنت تستطيع اختيار غيرها.

تمهيد الفصل السابع

لكن هناك عادة أعمق من كل العادات.

عادة تجعل الإنسان يتمسك بما يؤذيه بحجة أنه لا يستطيع الاستغناء عنه.

إنها الحاجة إلى الأمان.

قد يعرف أن العمل يستنزفه، لكنه يخاف فقدان الراتب.

وقد يعرف أن المكان لم يعد يناسبه، لكنه يخاف البداية.

وقد يعرف أن بعض ما يملكه لا يستحق الثمن الذى يدفعه من عمره، لكنه يخاف أن يتركه.

وعندما يصبح الأمان أهم من الحياة نفسها، يبدأ الإنسان فى دفع ثمن لا يظهر فى حسابه البنكى.

ثمن النجاة.

وهنا يبدأ الفصل السابع:

الرزق الذى تخاف أن تتركه