مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

جمهورية ولاد البلد

بقلم/ يحيى القطب 

حين تتحول الأصول من ضمير حي إلى ديكور اجتماعي.

لم تكن «ولاد البلد» يومًا توصيفًا جغرافيًا أو طبقيًا، بل كانت منظومة قيم غير مكتوبة، تُمارَس قبل أن تُقال، وتُحمَل في السلوك قبل أن تُرفع في الشعارات.
كانت تعني الشهامة، والجدعنة، والالتزام، وتحمل المسؤولية، والغيرة على الحرمات، واحترام البيوت، وحفظ العيش والملح.
غير أن أخطر ما أصاب هذه المنظومة اليوم ليس اختفاءها، بل تشوّهها؛ إذ تحولت عند كثيرين من ضمير حي إلى ديكور اجتماعي يُستَخدم عند الحاجة، ويُعلَّق حين يغيب الرقيب.
كثير من المبادئ التي نتغنّى بها هي في أصلها قيم قويمه لا خلاف عليها. فكرة ألّا تدخل بيتًا إلا ورجل البيت فيه مبدأ سليم، لكن السؤال الحقيقي ليس في المبدأ، بل في الامتحان: هل ستلتزم به إن انكسرت الاعتبارات؟ إن كان صاحب البيت صديقًا مقرّبًا، أو إن كانت المرأة بمنزلة الأم أو الأخت، فهل يبقى المبدأ قائمًا، أم يُعاد تفسيره على هوى القرب والعاطفة؟ هنا فقط يظهر الفرق بين من يحمل القيمة ومن يستعملها.
وكذلك فكرة توصيل الضيوف إذا تأخر الوقت، وهي من جميل الخلق وحسن العشرة. لكن هل هذا الالتزام يصمد حين يتعارض مع المصلحة؟ حين يكون في الالتزام مشقة أو خسارة أو تعطيل لأمر شخصي؟ أم يتحول فجأة إلى مجاملة شكلية تُؤدى حين تكون سهلة، وتُترك حين تثقل الكلفة؟ المبادئ لا تُقاس في الرخاء، بل في اللحظة التي تطلب ثمنًا.
ومن أكثر الأمثلة فجاجة ما يتعلّق بالعلاقات داخل “المنطقة”. كثيرون لا يضايقون بنات منطقتهم، لا بدافع الأخلاق، بل بدافع العزوة والسمعة والخوف من الحساب. لكن لو غابت المنطقة، وغاب من يعرفونهم، فهل يبقى المبدأ قائمًا؟ أم يسقط مع أول فرصة؟ وهل تُحترم الجيرة لأن لها قيمة، أم لأن أهلها أقوياء؟ فإن ضعفوا، ضعفت معهم “الرجولة”.
وينسحب الأمر ذاته على احترام بيوت الأصدقاء. الامتناع عن النظر إلى أهل بيت الصديق مبدأ أصيل، لكن هل يصمد إذا غاب الصديق، أو سافر، أو مات؟ هنا لا تحكم الأعراف، بل الضمائر.
وهنا تحديدًا ينكشف من التزم بالقيمة اقتناعًا، ومن كان يلتزم بها رقابةً وخوفًا.
الأخطر من كل ذلك هو الاستخدام الانتهازي للقيم. كثيرون يستدعون “العيش والملح” حين يطالبون بحقوقهم أو يتوسطون لأنفسهم أو لغيرهم، لكنهم ينكرونه ويتنصلون منه حين يُطالَبون بواجب أو التزام. تتحول القيم من رابطة أخلاقية إلى أداة ضغط، ومن ميثاق شرف إلى ورقة تفاوض. وهذا أحد أوجه النفاق الاجتماعي الأكثر انتشارًا، لأنه يُلبَس لباس الأخلاق وهو في جوهره مصلحة خالصة.
المشكلة الحقيقية ليست في الموروث، بل في طريقة تلقّيه. أن نردد ما ألفينا عليه آباءنا بلا اقتناع، وأن نمارس القيم تقليدًا لا وعيًا، هو من أخطر ما يصيب الأخلاق؛ لأن القيم غير المفهومة لا تصمد أمام الإغراء، وغير المقتنَع بها تسقط عند أول اختبار.
أما حين تتأصل المبادئ في الإنسان عن قناعة، فإنها تتحول فعلًا إلى شهامة حقيقية، لا تحتاج تصفيقًا ولا شهودًا.
حتى تتجذر صفات الجدعنة والرجولة والالتزام وتحمل المسؤولية وحب الخير للآخرين، لا بد أن يختارها الإنسان اختيارًا واعيًا، وأن يُلزم نفسه بها حتى حين تثقل عليه، وأن يقبل بدفع ثمنها دون تذمر. هنا يأتي دور الضمير، ودور الرقابة الداخلية، لأن النفس البشرية قد تميل بطبيعتها، وقد تبرر، وقد تلتف على نفسها. لكن الرقيب الذي لا ينام هو الذي يعيد الميزان إلى نصابه.
إن الأزمة ليست في غياب القيم، بل في تحوّلها إلى واجهة بلا روح…
حين تصبح الأصول كلمات تُقال لا التزامات تُحمل، وشعارات تُرفع لا أفعال تُمارس، نفقد معناها ونفقد أنفسنا معها.
وجمهورية ولاد البلد، إن لم تُبنَ على ضمائر حية، فلن تكون سوى مسرح واسع… يُجيد فيه الجميع التمثيل، ويغيب فيه الصدق.