بقلم: د عبير عبد المجيد الخبيري
كثير من الآباء والأمهات يعتقدون أن التربية مجرد أوامر يفرضونها على أبنائهم، وأن مهمتهم الوحيدة هي حمايتهم. لكن عندما نتأمل الواقع نجد أن الطفل في الثانية من عمره يبدأ بالفعل بمواجهة فرضيات يومية: اختيار الألعاب، اختيار الملابس، وحتى كبح رغبته في الكلام لأن الوالدين —دون وعي— يطلبان منه الصمت ولا يُصغيان له، غافلَين عن مشاعره وحاجته للتعبير. وحين يكبر ويلتحق بالمدرسة تظهر أوامر جديدة: اختيار الأصدقاء، والمقارنة المتكررة بالأقران والأهل. هنا تبدأ المشكلة، ويعاني الطفل من تدني الثقة. يزيد الطين بلة استخدام كلمات جارحة مثل “أنت فاشل”، فتبدأ شخصية الطفل بالضعف. وفي هذا الوقت يلاحظ الأبوان عزلة ابنهما أو ابنتهما وخجلهما، دون أن يدركا دورهما المبكر في تشكيل هذا المسار. في هذا المقال نتناول جذور تدني الثقة بالنفس لدى المراهقين وسبل بنائه.
كثير من المراهقين يحملون ملفًا داخليًا مبكرًا: “سأفشل، فلا أحاول”. الجذور غالبًا طفولية —نقد علني متكرر، مقارنات، أو حماية زائدة تمنع التجربة— والنتيجة خوف من الظهور، لا نقص في القدرة.
الفرق الجوهري بين نقص الثقة وضعف المهارة مهم: الأول يُشل الأداء رغم وجود القدرة، والثاني يحتاج تعلّمًا محددًا. وتشمل المؤشرات تجنب التحديات، طلب الطمأنة المفرط، وتفسير الإنجاز دومًا على أنه “حظ”.
للبناء نبدأ بتجارب نجاح صغيرة موثقة (سجلّ ثلاث إنجازات يومية)، وإعادة صياغة الأفكار (“أخطأت”→”تعلمت”)، وتحدٍ أسبوعي اختياري، وتدريب على وضع حدود. دور الأهل: مدح الجهد لا النتيجة فقط؛ دور المدرسة: خلق مساحات آمنة للخطأ.
ختاما: الثقة ليست منحة تولد مع المراهق ولا حكمًا ثابتًا عليه؛ هي مهارة تُبنى بالممارسة والتكرار. كل رسالة جديدة من الأهل أو المعلم تقول “صوتك مسموع، وخطؤك مَعْلومة لا إدانة” تُرمّم ملفًا داخليًا قديمًا. وبمرور الوقت، ينتقل المراهق من “سأفشل فلا أحاول” إلى “سأحاول، وسأتعلم مهما كانت النتيجة”— وهنا يبدأ تقدير الذات الحقيقي.






المزيد
الطفل اليتيم بين الفقد والأمان: فهم تجاربه العاطفية ودور المجتمع في دعمه
فن المشهد الواحد: ما وراء كادر القصة
كيف يعيد الربيع شحن الطاقة النفسية للفرد