الفصل الثامن: الصمت الذي فضحني
الكاتب هانى الميهى
لم يكن الصمت مريحًا…
كما كنت أتخيل.
كنت أظن أن الهدوء
يعني السلام،
وأن الابتعاد عن الضجيج
سيمنحني راحة.
لكن ما لم أفهمه…
أن الصمت لا يمنحك الراحة دائمًا،
بل يمنحك الحقيقة.
والحقيقة…
لم تكن سهلة.
في البداية،
كان مجرد هدوء.
لا مهام،
لا ضغط،
لا سباق.
شيء كنت أظنه ما أحتاجه.
لكن بعد فترة قصيرة،
بدأ هذا الهدوء يتحول…
إلى مساحة.
مساحة واسعة،
فارغة،
لا شيء فيها
إلا أنا.
وهنا…
بدأ كل شيء يظهر.
الأفكار التي كنت أهرب منها،
المشاعر التي كنت أؤجلها،
الأسئلة التي دفنتها…
كلها عادت،
لكن بدون فلتر هذه المرة.
لم يكن هناك شيء يشغلني عنها،
ولا شيء يخفف حدّتها.
كنت أسمع نفسي بوضوح،
لدرجة مزعجة.
صوت داخلي
لم يعد يقبل التجاهل.
كان يسألني أشياء لم أعتد عليها:
لماذا تعيش بهذه الطريقة؟
متى كانت آخر مرة شعرت فيها بالراحة؟
هل هذا ما تريده فعلًا؟
أسئلة بسيطة…
لكنها كانت تخترق كل شيء.
حاولت أن أهرب،
أن أعود للانشغال،
أن أملأ وقتي بأي شيء…
لكن هذه المرة،
لم ينجح الأمر.
لأن المشكلة
لم تعد في الخارج.
كانت في الداخل.
وكلما حاولت تجاهلها،
كانت تعود بشكل أقوى.
بدأت أرى نفسي كما لم أرها من قبل.
ليس الصورة التي أقدمها للناس،
ولا النسخة التي أقنعت نفسي بها…
بل الحقيقة.
رأيت التناقضات،
التبريرات،
الأعذار التي كنت أعيش بها.
رأيت كيف كنت أهرب
وأسمّي ذلك “سعيًا”.
كيف كنت أخاف
وأسمّي ذلك “حرصًا”.
كيف كنت أُرهق نفسي
وأسمّي ذلك “اجتهادًا”.
كل شيء انكشف…
بهدوء.
وهذا الهدوء…
كان قاسيًا.
لأنه لم يهاجمني،
لم يصرخ،
لم يُجبرني…
لكنه وضعني أمام نفسي
دون أي خيار للهروب.
وهنا فقط،
بدأت أشعر بثقل حقيقي.
ثقل المعرفة.
أن ترى الحقيقة،
ولا تستطيع إنكارها.
أن تدرك أنك كنت تعيش بطريقة
لا تشبهك،
ولا تعرف كيف تغيّرها.
هذا النوع من الإدراك…
مرهق.
لم يكن لديّ ردود.
لم أجد تبريرات.
فقط…
صمت.
لكن هذه المرة،
لم يكن صمتًا للهروب.
كان صمتًا للمواجهة.
جلست مع نفسي،
ليس لأنني أردت،
بل لأنني لم أعد أملك خيارًا آخر.
بدأت أسترجع كل شيء:
قراراتي،
اختياراتي،
الطريق الذي سلكته.
ورأيت نمطًا واضحًا:
أنني لم أكن أختار بوعي،
بل أتحرك بدافع.
دافع الخوف،
التوقعات،
الصورة التي أريد أن أبدو عليها.
لكنني لم أكن أختار نفسي.
وهذا…
كان الاكتشاف الأكثر إيلامًا.
لأنك حين تدرك أنك غبت عن حياتك،
لا يمكنك أن تعود بسهولة.
الأمر يحتاج أكثر من قرار.
يحتاج شجاعة…
لم أكن متأكدًا أنني أملكها.
لكن رغم ذلك،
كان هناك شيء يتغير.
لم أعد أستطيع أن أعيش بنفس الطريقة.
حتى لو أردت…
لم أستطع.
لأن المعرفة…
تغيّر كل شيء.
قد تتجاهلها،
لكنها تظل موجودة.
وهكذا،
لم يعد الصمت مجرد مرحلة،
بل أصبح نقطة فاصلة.
قبلها…
كنت أعيش دون وعي.
بعدها…
لم يعد ذلك ممكنًا.
وهذا…
كان بداية تحول حقيقي.
ليس لأنني أصبحت أفضل،
بل لأنني لم أعد أستطيع الكذب على نفسي.
وفي هذا الوضوح،
رغم قسوته،
كان هناك شيء جديد…
شيء يشبه الحقيقة.
رسالة الفصل:
حين تصمت الحياة من حولك…
تبدأ أنت في سماع ما كنت تهرب منه،
وتكتشف أن الحقيقة لا تحتاج ضجيجًا…
لتفضحك.
تمهيد الفصل القادم:
لكن بعد كل هذا الوضوح…
ظهرت فكرة واحدة،
كانت أثقل من كل ما سبق:
أن كل شيء…
قد فات بالفعل.شششش






المزيد
على أنغام زمنٍ لم يعد يعاد بقلم خيرة عبدالكريم
شامتي… ودليل البراءة بقلم الكاتبة بثينة الصادق أحمد
يوم جديد كل حياة بقلم عبدالرحمن غريب