بقلم / خالد محمد شعبان
إن الكثيرين منا في بداية حياتهم يسعون ليكونوا أعضاءً فاعلين في مجتمعاتهم، فيبذلون الجهد والطاقة في تحقيق إنجازات يبحثون عن صداها في عيون المجتمع والمقربين، وما إن يعلن المرء عن إنجازه ويطلب الاهتمام والرأي، حتى يتفاجأ بالانشغال غير المبرر والتجاهل التام، لدرجة تقنعه بأنه لو لم يعلن عن إنجازه لما سأله عنه أحد، وأن كل اهتمامهم السابق ما كان إلا “فضاً للمجالس” ومجاملات اجتماعية بسيطة، لم يدر في خلد من قام بها أنه سيُطالب بتحقيقها على أرض الواقع، وهنا يبدأ إحساس الدونية وانعدام القيمة يتسرب إلى النفس شيئاً فشيئاً، ويتحول الحلم إلى كابوس ولكن أين بدأت المشكلة بالتحديد؟
أليس من الطبيعي أن يحاول الفرد الاندماج في مجتمعه من خلال عرض إمكانياته وقدراته والاستفادة من خبرات الآخرين؟ لماذا أصبح الأمر بهذه الصعوبة هذه الأيام؟
لا أجد لكل هذا إلا تفسيراً واحداً نحن جميعاً نشعر بأننا بلا قيمة، فلا يتمكن أحد منا من رفع معنويات أخيه لأنه بدوره يحتاج لمن يرفع معنوياته وبسبب طبيعة الحياة المادية السطحية التي نعيشها اليوم، تم ربط الوقت بالمال، وصار كل فرد يفكر في كمّ الوقت الذي يحتاجه لجني أكبر مبلغ من المال، وذلك على حساب الأسرة والأصدقاء والمجتمع وحينما لا يجد ذلك الفرد من يدعمه بسبب انشغال الجميع مثله بالفلسفة المادية نفسها، يزداد انعزالية وحزناً وينقم على الحياة والناس ولقد بات واضحاً لنا كثرة المنشورات التي تشتكي من شح المشاعر وغربة الروح التي بتنا نعيشها جميعاً هذه الأيام.
والمشكلة أن السبب في كل ذلك ليس خارجياً فالظروف المادية والمشاكل لم تمنع المجتمعات القديمة من تكوين روابط مجتمعية أصغر فيما بينها، فكان لكل شيء وقته، ولم يكن للعمل إلا وقت محدد فقط، وما تبقى يوزع بين الأسرة والأصدقاء وكان الفرد في تلك المجتمعات يشعر بقيمته ويتقبل دوره دون مشاكل، فما الفارق اليوم بيننا وبينهم؟
ومن العجيب أن نرى بعض الناس يحاول الانتماء إلى كيانات ثانوية كالنوادي والأحزاب والجمعيات وغيرها، وهو غير مهتم فعلياً بنشاط تلك المؤسسات، إلا أنك حين تسأله يجيبك بأنه يشعر بأنه جزء من كيان أكبر وهنا تبرز المعضلة فما دامت الحاجة ماسة إلى تكوين روابط مجتمعية تشعر الفرد بقيمته وتزيد من رغبته في المشاركة والاستفادة من تجارب غيره، لماذا يعزف المجتمع عن ذلك؟ ولماذا يحاول كل شخص أن يبقى وحيداً ظناً منه أنه بهذه الطريقة سيكون أكثر أماناً وإنجازاً؟ لماذا يتم الترويج للعزلة على أنها حل سحري رغم أن لا أحد يطيقها؟






المزيد
علّمني التفاهة يا أبي… قال: “تعالى في التافهة وتصدّر!”
التحديات النفسية التي تواجه المرأة في المجتمع الحديث
كيف تصبح كاتبًا بدون موهبة؟