مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

أرقام تحكي مأساة التسول

بقلم: يحيى القطب 

ليست كل الحقائق تُروى بالكلمات، لكن بعضها يُروى بالأرقام. ففي قضايا مثل التسول، حيث تختلط العاطفة بالواقع، يصبح الرقم أكثر صدقًا من أي خطاب؛ لأنه لا يجادل ولا يبرر ولا يجامل، بل يكشف.

حين ننظر إلى الشارع، قد نرى مشاهد متفرقة: طفل هنا، وامرأة هناك، ورجلًا يمد يده على استحياء. لكن حين تتحول هذه المشاهد إلى أرقام، يتغير كل شيء. إذ تشير تقديرات غير رسمية، مدعومة بدراسات صادرة عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، إلى أن عدد المتسولين في مصر يقترب من مليون شخص، مع تركز واضح في المدن الكبرى. هذا الرقم، حتى وإن كان تقديريًا، لا يمكن التعامل معه كاستثناء عابر، بل كدلالة على ظاهرة لها امتدادها وثقلها في الواقع.

ولا يقف الأمر عند حدود التقدير، بل تؤكده الحركة اليومية للأجهزة المعنية. فقد أعلنت وزارة الداخلية المصرية، في بياناتها (يونيو 2025)، عن ضبط أكثر من 21 ألف قضية تسول خلال شهر واحد فقط. رقم كهذا لا يعكس فقط حجم الجهد المبذول، بل يكشف في المقابل عن حجم الحضور الكثيف للظاهرة في الشارع. فحين تُرصد آلاف الحالات في فترة زمنية قصيرة، فإننا لا نتحدث عن سلوك فردي، بل عن نمط يتكرر ويتجدد.

والأرقام، حين تُقرأ في سياقها، لا تكتفي بوصف الحاضر، بل تلمّح إلى الاتجاه. إذ تشير تقارير (يوليو 2025) إلى زيادة بنسبة 40% في قضايا التسول المضبوطة مقارنة بالعام السابق، وهو مؤشر لا يمكن تجاهله. الزيادة هنا ليست مجرد تغير رقمي، بل إشارة إلى منحنى يتحرك صعودًا. وقد يختلف الناس في تفسير الأسباب، لكن الاتجاه نفسه يظل ثابتًا: الظاهرة لا تنحسر، بل تتمدد.

وحين نقترب أكثر من طبيعة هذه الظاهرة، تظهر دلالة أخرى أكثر عمقًا. فوفق البيانات الأمنية، تتجاوز نسبة من يتم ضبطهم أكثر من مرة، وهو ما يُعرف قانونًا بـ”جرائم العود”، 70% من الحالات (بيانات وزارة الداخلية 2025–2026). وهذا الرقم يفتح بابًا مهمًا للفهم: نحن لا أمام حالات اضطرار مؤقتة فقط، بل أمام سلوك يتكرر، وربما يتحول، لدى بعض الفئات، إلى نمط معيشة مستقر. هنا يتغير توصيف الظاهرة من “حاجة عابرة” إلى “بنية قائمة” تحتاج إلى قراءة مختلفة.

ولا يمكن فصل هذه المؤشرات عن السياق الاقتصادي الأوسع. فبحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (CAPMAS)، بلغ معدل التضخم نحو 14.1% في عام 2025، وهو ما يضع ضغوطًا متزايدة على الفئات الأكثر هشاشة. قد لا يكون هذا العامل وحده كافيًا لتفسير الظاهرة، لكنه بالتأكيد أحد خيوطها الأساسية، خاصة حين يتزامن مع غياب فرص كافية أو ضعف شبكات الدعم الاجتماعي في بعض الحالات.

غير أن الرقم الأكثر إيلامًا لا يتعلق بالحجم ولا بالزيادة، بل بالوجوه التي تختبئ خلفه. إذ تشير دراسات المركز القومي للبحوث الاجتماعية إلى أن الأطفال يمثلون نحو 35% من إجمالي المتسولين. هنا، يتجاوز الأمر كونه ظاهرة اجتماعية ليصبح قضية مستقبل، فالطفل الذي يقف اليوم على الرصيف لا يحمل فقط معاناته الآنية، بل يحمل احتمال استمرار هذه الدائرة معه سنوات قادمة.

وتتأكد خطورة هذا المسار حين نضع هذا الرقم بجوار تقديرات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، التي تشير إلى وجود نحو 1.6 مليون طفل منخرطين في “أعمال الشارع” بين التسول والعمل المبكر. كما تكشف وقائع حديثة (مارس 2026) عن ضبط شبكات تستغل عشرات الأطفال في التسول المنظم داخل القاهرة، وهو ما يعكس بُعدًا آخر أكثر تعقيدًا، حيث لا يكون الطفل فاعلًا بقدر ما يكون ضحية منظومة تستثمر فيه.

وإذا كانت الأرقام لا تروي القصص، فإنها على الأقل ترسم ملامحها. فهي لا تخبرنا كيف وصل هؤلاء إلى الشارع، لكنها تؤكد أنهم هناك بأعداد كبيرة، وبوتيرة متزايدة، وبمشاركة جيل جديد من الأطفال. وهي لا تحدد المسؤوليات، لكنها تضع أمامنا واقعًا لا يمكن إنكاره.

ولعل أهم ما تكشفه هذه الأرقام ليس فقط أن الظاهرة موجودة، بل أنها مستمرة ومتجددة وتميل إلى التوسع. وهذه ثلاث خصائص كافية لتحويل أي ظاهرة من مجرد مشهد يومي مألوف إلى قضية تستحق التوقف.

لسنا هنا لنحاكم أحدًا، ولا لنختزل المسألة في طرف بعينه، فمثل هذه القضايا أعقد من أن تُختصر في تفسير واحد. لكننا، على الأقل، نملك الآن ما يكفي من الأرقام لنفهم أن الأمر أكبر من مجرد انطباع عابر.

فحين يرتفع المنحنى، لا ترتفع الأرقام وحدها، بل يصعد معها، بصمت، واقع كامل ينتظر أن يُرى كما هو.