بقلم/ خالد محمد شعبان
الفرق الوحيد بين الحقيقة والخيال هو أنك تؤمن بوجود الحقيقة، لذلك يُعتبر الوهم إيمانًا بحقيقة الخيال.
ولأن الدماغ البشري لا يفرّق بوضوح بين الخيال والحقيقة ويُخزّن كليهما في الذاكرة، فإننا – كبشر – نخلط بين الاثنين في مواضع كثيرة من حياتنا. ومن أشهر مواضع الخلط بينهما هو البناء على مبدأ “المفروض”، وهو ما ليس إلا وضعًا افتراضيًا مثاليًا من وجهة نظر شخص أو مجموعة أشخاص يستخدمونه كمرجعية للحكم على الأنماط في حياتهم إن كانت صحيحة أم خاطئة. وهذا البناء على أمر تخيّلي يُعد من أهم أسباب الفشل والصدمة والتفكك المجتمعي والآفات الاجتماعية.
عندما نحكم على أنفسنا أو على الآخرين حكمًا سلبيًا نابعًا من تصور خيالي عن الوضع المثالي من وجهة نظرنا، فإننا نتجاهل الواقع بكل معطياته، والتي منها طبيعة وإمكانات الشخص الذي نحكم عليه، مما يؤدي إلى سلسلة من ردود الأفعال غير السوية التي تُبنى كلها على جملة “كان المفروض”.
عندما تقارن أمّ ابنها – مثلًا – بأقرانه المتفوقين عليه دراسيًا، وتفترض أنه ليس أقل منهم في شيء، وأنه كان من المفروض أن يصبح أفضل منهم، فهي تتجاهل هنا عوامل مهمة، كالحالة النفسية والجسدية للطالب، والبيئة المحيطة به، ومقدار الدعم الذي يحصل عليه، وغير ذلك من المعطيات المهمة التي كان يجب وضعها في الحسبان. فينتج عن ذلك تمادٍ في الإهمال واليأس من الدراسة بالنسبة للطالب، لأنه بات يعلم أن مجهوده غير مقدَّر. وهذا ما يجعل البناء على “المفروض” من أسوأ طرق التفكير وأكثرها إجحافًا على كافة المستويات.
ومن أشهر الأنماط الفكرية والسلوكية المبنية على فكرة “المفروض” العنصرية والتنمر، حيث إنهما مبنيان على افتراض عيوب أو صفات غير مرغوبة في إنسان بناءً على فرضية “الشكل المثالي” الذي لا يمكن توافره في أيٍّ كان، إنما هي تصورات مثالية خيالية لا أساس لها. ومن تلك السلوكيات أيضًا “فلاتر” الصور التي تغيّر شكل الوجه تمامًا، فيعتبره صاحب الصورة شكله المثالي الذي كان يفترض أن يكون عليه، وهو في الحقيقة تشويه غريب لا معنى له، لكن فكرة البناء على وهم “المفروض” جعلته يظن بأن هذا شكله في أفضل حالاته.
بهذه الطريقة يظهر لنا تأثير وهم “المفروض” على حالتنا النفسية وعلاقاتنا الاجتماعية، بينما الأفضل فعلًا هو البناء على الواقع. وليست المسألة هنا مسألة خضوع للوضع الراهن، بل هي مسألة الرضا بالمعطيات الحالية مع السعي لتعديل المسار. فإذا رسب الطالب في امتحان، يبدأ تصرفه هنا من مراجعة ومعالجة أسباب الرسوب، وليس من لوم نفسه على عدم تحصيل درجة كان من “المفروض” أن يحصل عليها، لأن هذا عمليًا لا معنى له الآن.
علينا في حالة التعرّض لموقف سلبي الإقرار بالواقع العملي الحالي، لا الوضع المفترض؛ لأن البناء على الواقع هو ما يسهّل ويبسط معالجة الأمر بسرعة، أما التركيز على الوضع المفترض المتخيَّل فما هو في الحقيقة إلا إنكار للوضع الراهن وتهرّب من المسؤولية التابعة له.
والسر هنا يكمن في مبدأ التقبّل وعدم المقاومة؛ فإن اكتشف أحدٌ ما أنه مدمن على عادةٍ ما، فإن البناء على فكرة “المفروض” وتجاهل الأمر بناءً على إنكار حالة الإدمان، والتفكير بأنها مجرد عادة سيئة سيقلع عنها متى أراد، لن يحل المشكلة، وهو بناء على وهم. أما الاعتراف بالمشكلة والبحث عن حلول، فهو أول ما يمكن أن يوصلك للحل بشكل أسرع وأفضل بكثير.
فالمشاكل والأخطاء والعقبات طبيعية، وهي جزء لا يتجزأ من طبيعة الحياة، وافتراض كونها غير طبيعية هو وهم بشري محض. فالغابات تحترق في مواسم الحر، والأعاصير تتشكل في مواسم البرد، والأمراض تنتشر في مواسم الربيع، والجفاف يحل ببعض البلدان لسنوات عديدة. ومن هنا نرى أن الكوارث جزء لا يتجزأ من نسيج الحياة، وليس من “المفروض” ألا تحدث، بل إن من الطبيعي أن تحدث. فلا توجد علاقة دون مشاكل، ولا عمل بدون أخطاء.
فإن بدأنا ونحن نفترض المثالية من وجهة نظرنا نحن، فقد فقدنا تواصلنا مع الواقع، وحين تفاجئنا الأزمات وتصدمنا الحوادث ننكر أنها كانت ستحدث أصلًا بدلًا من معالجة أسبابها. وما كان سبب صدمتنا من الأساس إلا افتراض عدم وجودها، وهي أصلًا جزء لا يتجزأ منا ومن الحياة.
الخيال ليس عدوًا يا صديقي، لكن له دوره في تطوير المهارات والخبرات والربط بين المعلومات وغيرها، لكنني هنا أناقش مشكلة الخلط بين ما هو خيالي وما هو واقعي، وفرض الخيال على الواقع وتجاهل حقائقه الملموسة.






المزيد
مرحباً … أنا هنا، هذا الكوكب عليه حياة
عقلية الفنان
تأثير الضغوط الاجتماعية على صحة المرأة