مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

هنا الفاشر، حيث العمق الكارثي المنسي بقلم مريم أشرف فرغلي   

أنت تعيش في وطن:

يدرك فيها، الشخص الذي كان يحلم بتسلق حائط الإعلام العملاق، ورؤيته لكيانه، وهو يزداد بريقًا ولمعانًا من تلك النقطة البعيدة، ان كل ما كان يحلم به هو مجرد -وهم- حاول تصديقه على مدار سنين دراسته، وسنين الحرب التي ضاعت رفقة صوته…

صوته الذي كُتب عليه أن يكون مكتومًا، صامتًا.

وهو أحق الناس وأهمهم لأيصال صرخات القلوب، وتلك الاوجاع المدفونه رفقة أجساد المظلومين على أرضهم…

..

ظل الأمل محلقًا رغم جناحيه المكسورتين، ظل متخفيًا، كأنه لص مُحنك أضاع الطريق، وأوشك الجميع في إمساكه لسحقه

 

تشبث ذلك الأمل، في قلوب صحفيين تلك البقعة من الأرض بلادنا -السمراء الحبيبة-

رغم ان احلامهم هُزمت وسحقت منذ أمد، لكنهم لم ييأسوا… من ايصال اصواتهم؛ احدهم، ثبت كاميرا قديمة على كومة الحجارة وبدأ بالبث، واخر اعتمد على هاتفه وهواتف جميع معارفه لايصال الحقائق.

 

ركضوا واختبأوا وسط الضرب والعنف (ليعكسوا وقائعهم، وليعلم العالم بأرضهم المنسية)

 

المكان: الفاشر “مدينة تقع غرب السودان”

التوقيت: يوم جمعة “لكنه مختلف عن شعور اليوم الذي نعرفه”

نَفَض بقية ما تبقى، من رجال تلك المدينة، جلاليبهم…

و توضأوا، ثم ارتشفوا دموعًا أبيه، تسكن مُقَلهم، فسارعت لتسقط، وسط وضوئهم…

حيّوا أنفسهم بتحية الاسلام، واستعدوا لدخول المسجد، متيقنين النصر والفرج القريب

تركوا أحذيتهم خارجًا، ورموا رفقتها أصوات بطونهم الفارغة، وصرخات جلودهم اليابسة…

ودعوا السَغَب، والظمأ، حتى يفرقوا من صلاتهم، ويعودوا ليحملونه فوق ظهورهم رفقة الهم والمرض.

..

قال الخطيب “وهو إمام المسجد”:

(لا أقدر على الكلام بسببِ الجوع، ولا أنتم تقدرون على السماع بسببِ الجوع… أقم الصلاة)

 

وهذا ما قد قام بتصويره، من كان يحافظ على هاتفه في الصف الثاني، صحفيًا، لا يعلم احد بمهنته الشريفة، ولا يعرفه أحد

توسط المصليين وشاركهم جميع ما يراودهم… وما يجعله مختلفًا “كونه لا يستطيع ان يصرخ للعالم لانقاذ شعبه، وانقاذه بسبب تكتم وموت الإعلام في موطنه”

 

قام للصلاة رفقتهم، ثم سقط رجل مُسن… في أول الصف يعلن استسلامه الذي غلبه

لقنه صغيرًا كان يقف بالقرب منه (الشهادة)

وتبسم الجميع يرددون له الرحمة، ويحلمون بمكانه.

فقام الجميع وصلى عليه…

..

الفاشر، حيث الالم والجوع والمرض.

تقضي عليها المليشيات بدمِ بارد، وتتعلق في قلوبها كل من الرصاص والقذائف…

لا شي ليشتروه، لا شي ليطلبوه، لا مساعدات تصلهم… ولا الكلمات ترممهم

اوشكوا على الانتهاء، وأوشكت الفاشر على الاختفاء…

لا صوت يصل، ولا أذن تسمع، ولا عالمًا يشعر ولا مسؤول يتحرك.

 

اليوم الفاشر وأمس الخرطوم ولا نعرف ما الذي سيحدث غدًا…

وان لم يوقف شخص تلك المجزرة، فشعب السودان كله مهدد بالانقراض، ببطء …