مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

نحتُ المستحيل بصبر الأوفياء بقلم أمجد حسن الحاج 

نحتُ المستحيل بصبر الأوفياء بقلم أمجد حسن الحاج

 

تقفُ الدروبُ أحياناً كالجبال الصمّاء، لا تمنحُ العابرينَ إلا قسوةَ الحجر، ولا تتركُ في القلوبِ إلا غصّةَ العجز؛ لكنَّ الروحَ حين تتوضأُ بنورِ اليقين، لا ترى في العوائقِ إلا دعوةً للمواجهة، ولا تجدُ في الصعابِ إلا فرصةً لتسطيرِ الملاحم.

هنا، في هذا المشهدِ الذي يختزلُ حكايةَ الإنسانِ مع الوجود، نرى جسداً قد قيّدتهُ الظروف، لكنَّ إرادتَهُ امتلكت أجنحةً تفوقُ المدى. لم ينتظر هذا البطلُ يداً تمتدُّ لتمهيدِ الطريق، ولم يقعد ملتحفاً رداءَ الشكوى والانتظار، بل قرر أن يكون هو “الفأسَ” وهو “المعول”. بجهدٍ صامت، وأنفاسٍ تتصاعدُ كبخورِ التضحية، بدأ ينحتُ في صلبِ المستحيل مساراً، ويحوّلُ تلك الأدراجَ العمودية القاسية إلى منحدراتٍ من الأمل، تروي قصةَ عظمةِ الصبر.

إنَّ كلَّ شبرٍ يقطعهُ ذلك الكرسيُّ المتحرك فوق صخورِ الحياة ليس مجردَ حركةٍ ميكانيكية، بل هو نقشٌ على جدارِ الزمن؛ يعلّمنا أنَّ القوةَ الحقيقية لا تكمنُ في العضلاتِ المفتولة، بل في تلك النبضةِ التي تأبى الانكسار، وفي ذلك العقلِ الذي يبتكرُ الحلولَ حين تضيقُ السبل. لقد حفرَ بعزيمتهِ أخاديدَ في الصخر، لتكونَ شاهداً على أنَّ “الإعاقة” الحقيقية هي إعاقةُ الفكرِ والاستسلام، وليست أبداً عجزَ الأطراف.

يمضي هذا الساعي نحو الضوءِ المنبعثِ من أعلى، مخلفاً وراءه أثراً لا يمحى، وكأنه يقولُ لكلِّ من أثقلتهُ همومُه: “إذا لم تجد طريقاً، فاصنعهُ بيدك، وإن كان العالمُ صلباً كالحجر، فكن أنتَ الإرادةَ التي تُلينُ الحديد”. إنها رحلةُ الصعودِ المقدسة، حيثُ يصبحُ التعبُ لذة، والجرحُ وساماً، والنهايةُ مجداً يُليقُ بمن آمنوا أنَّ القمةَ لا تُنالُ بالتمنّي، بل بنحتِ المستحيل بصبرِ الأوفياء.