مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

ميزان_القلوب

ميزان_القلوب

 

الحلقة الحادية عشر #السلام_الداخلي

بقلم /عبد الرحمن شعبان سعد

رمضان كريم، جعله الله شهر طمأنينة القلوب، والراحة التي تأتي من الداخل قبل كل شيء.

استيقظ آدم صباح اليوم الحادي عشر بشعور غريب، شعور لم يعرفه منذ زمن طويل… السلام الداخلي. لم يكن ذلك نتيجة أحداث كبيرة، بل نتيجة الأيام الماضية كلها، ومجموعة صغيرة من القرارات البسيطة التي اتخذها قلبه، لكنه لم يشعر بها إلا اليوم.
في طريقه إلى العمل، لاحظ الشارع المزدحم بطريقة مختلفة. السيارات تتوقف عند إشارات المرور، والناس يبتسمون ببساطة، والأطفال يركضون حاملين الكرة. ابتسم آدم لنفسه، وشعر بأن العالم كله أصبح أهدأ، وكأن صخب الحياة لا يزعجه كما كان يفعل من قبل.
وصل آدم إلى المكتب، وكان يوسف ينتظره. قال له مبتسمًا: – شكلك اليوم مختلف… في حاجة حلوة حصلت؟ ضحك آدم بخفة وقال: – يمكن… بدأت أحس بشيء اسمه سلام داخلي.
جلسا معًا، وتحدثا عن كل المواقف التي مرت بهما خلال الأيام الماضية:
الرسائل التي أعادت الروابط القديمة،
الكلمات الطيبة التي لامست قلوب الآخرين،
الصبر أثناء الانتظار،
قبول الواقع كما هو،
وفهم أن النية الصادقة تفوق كل عمل ظاهر.
بينما كانا يتحدثان، لاحظ آدم سامي، زميله الذي كان دائم القلق والخوف من الأخطاء. اقترب منه وقال بهدوء: – حاسس بحاجة… يمكن تساعدني؟
جلس سامي وقال: – مش قادر ألاقي راحتي… كل يوم ضغط ومشاكل… ومش عارف أتعامل.
ابتسم آدم وقال: – تعلمت حاجة… السلام الداخلي مش بيرجعلك من الدنيا، بيرجعلك من قلبك أولًا. جرب تبدأ يومك بالنية الصادقة، وبالكلمة الطيبة، وبالقبول… هتحس بشيء مختلف.
سامي حدّق فيه، وقال: – ممكن أحاول… مش هتبقى حاجة سهلة.
أومأ آدم: – مفيش حاجة سهلة، بس الخطوة الأولى مهمة.
في طريق العودة للمنزل قبل المغرب، التفت آدم حوله وشاهد مريم تساعد طفلاً صغيرًا سقط على الأرض. ابتسم لها وقال: – الحياة أبسط لما نحاول نكون سببًا لراحة قلب حد تاني. ابتسمت مريم، وقالت: – وأحيانًا السلام الداخلي بيبدأ بكلمة أو حركة بسيطة.
دخل آدم البيت، وكان الحاجة فاطمة جالسة بهدوء على الكنبة. أمسك بيده وقالت: – شايفة يا ولدي… لما تحس بالسلام جوه قلبك، كل شيء حواليك يهدأ.
جلس آدم بجوارها، وأدرك أن السلام الداخلي لم يأتِ من الأشياء الكبيرة التي حققها أو الأحداث الخارجة عن إرادته، بل من قراراته الصغيرة:
النية الصادقة،
الكلمات الطيبة،
الصبر،
القبول،
ومساعدة من يحتاج دون انتظار مقابل.
حين أذّن المغرب، رفع آدم يديه بالدعاء لأول مرة منذ زمن وهو يشعر براحة حقيقية. شعر أن قلبه أصبح أخف، وأن ميزان القلوب بدأ يستقر حقًا، ليس بالأفعال الكبيرة، بل بالسلام الداخلي الذي يتشكل يومًا بعد يوم.
بعد صلاة التراويح، جلس آدم في المسجد وسمع الشيخ سالم يتحدث عن القوة الحقيقية للإنسان: – مش كل القوة في الحسم، القوة أحيانًا في السلام مع نفسك، حتى لو الدنيا حولك مش مستقرة.
ابتسم آدم، وشعر أن كل ما مرّ به في الأيام السابقة كان إعدادًا له ليصل إلى هذه اللحظة.
في تلك الليلة، كتب في مذكّرته: يا رب، اجعل السلام الداخلي دائمًا ينبع من قلبي، وليس من الظروف.
وهكذا، شعر آدم لأول مرة أن ميزان القلوب بدأ يجد توازنه، وأن راحة القلب هي أعظم مكافأة يمكن أن يمنحها الله.

النصيحة: السلام الداخلي لا يُشتريه المال، ولا يُفرض بالقوة… يبدأ بالنية الصادقة، بالكلمة الطيبة، وبالقبول لما لا يُغيّر.
انتظروا الحلقة القادمة .