بقلم/ خالد محمد شعبان
عندما أكون مشتتًا، تتصارع بداخلي قوتان: إحداهما تخبرني بأنني ضعيف لا أتمكن حتى من السيطرة على أفكاري، والأخرى توهمني بأنني قوي لكن الظروف حرمتني من المحاولة ولا أستطيع الركون إلى إحداهما؛ لأنني في تلك اللحظة أصدقهما معًا.
أعرف أنني تخاذلت في وقت الرخاء، فاشتدت عليَّ الأمور في وقت الأزمة، وأعلم أن المشاكل كبّلت يديَّ فلم أعد قادرًا على المحاولة، لكن التشتت لا يحرمني من المحاولة، إنما يحرمني من التفكير في إمكانية وجود فرصة جديدة؛ إنه يسلبني الأمل في محاولة أخيرة.
أمرُّ يوميًا أمام شباك أحلامي، وأشاهد نفسي وأنا أحتفل وأمزق كل أوراق الفشل، معلقًا شهادات الفخر على جدران الوهم الشاهقة في خيالي المريض، وكم أتمنى أن أعلق ورقة -ولو فارغة- على أحد جدران غرفتي، لكنني أتذكر أن حتى تلك الورقة تحتاج إلى هدف لأعلقها عليه، وأحلامي كلها لم يعد بها مكان؛ لأنني صرت بطل الأبطال في حلم، وعالمًا كبيرًا في حلم آخر، ومليارديرًا في ثالث، وأشهر المشاهير في رابع، وأكثر إنسان محبوب في خامس.
أجلس في “مقهى السهر” أشاهد كل تلك الصور الوهمية عني، أحسدها وأتمنى ما لها، وأحتسي قهوة اللوم وأجتر ذكرياتي الواقعية الأليمة بجلدٍ أتصنعه، وأقلب في “معرض التاريخ” بهاتفي، فأرى من خلال نافذته كل معاركي الخاسرة، وانتصارات ضئيلة أمام كتل الهزائم وتلال الانسحابات.
لم أكن أريد أصلًا خوض معظم تلك المعارك، ولم أعد شغوفًا بالحروب، وصرت أريد فقط أن أعيش، لكنني أدرك أن هذه الغاية بحد ذاتها هي أعظم حرب أخوضها يوميًا بلا توقف.
أريد أن أغلق هاتفي وأنام، لكن “ركن العِبر” في عقلي يضيء بمجرد خفوت ضوء الشاشة، ويُشغّل لي أشرطة قديمة لطفل سعيد كان يلهو بتلك المعارك؛ كانت بالنسبة له مجرد تسلية، وأعرف ذلك الطفل، أتذكر حيويته وقوته، أتذكر أحلامه فأستعبر وأفكر في خيانتي له، وتضييعي لآماله، والتفريط في إنجازاته.
كبرتُ بجسد قوي فأتلفته، وبعقل سليم فغيّبته، وبقلب حنون فقسوت عليه حتى تحجر وتبددت كل مشاعره، إلا البدائية منها كالبكاء والضحك، وهذا كل ما بقي من طفولة قلبي، وما زلت أستخدمهما للغرض ذاته: أبكي خوفًا أو طمعًا، وأضحك لهوًا أو مرحًا.
لا تنتهي تلك الليلة إلا عندما تتعب جفوني من إبقاء ستار عينيَّ مرفوعًا، فيرتخي؛ لأنتقل من مراقبة عالم الأحلام إلى العيش فيه، وأتساءل: إلى متى سأبقى هنا؟!
أيكون إلى الأبد؟!
فالجميع يجلس على مقاهي الوهم، لكن هناك من يتألم وهناك من يتعلم، والفرق بينهما يكمن فيما سيفعله كل واحد بعد العودة إلى واقعه.






المزيد
مرحباً … أنا هنا، هذا الكوكب عليه حياة
عقلية الفنان
تأثير الضغوط الاجتماعية على صحة المرأة