كتبت أمينه خليل:
ليست كل النهايات نتيجة عاصفة، بعضُها يبدأ بهدوءٍ مريب. يبدأ حين يتسلل النسيان إلى التفاصيل الصغيرة؛ إلى كلمة “شكرًا” التي لم تُقل، إلى حضنٍ تأخر، إلى اعترافٍ ظنناه مفهومًا دون أن ننطقه.
في البداية نختار باندفاعٍ جميل. نقول: هذا الشخص يشبهني، هذا الأمان الذي أبحث عنه، هذه اليد التي أريد أن أمسك بها طويلًا. يكون القرار واضحًا، شجاعًا، وممتلئًا باليقين. نرى في الاختيار خلاصًا، وفي القرب وطنًا، وفي الحضور وعدًا بالطمأنينة.
لكن الزمن لا يهدم العلاقات فجأة، بل يخفف دهشتها ببطء. يتحول اليقين إلى اعتياد، والدهشة إلى أمرٍ مألوف، ويصبح ما كان معجزةً جزءًا من الروتين. ننسى أننا يومًا ما اعتبرناه أفضل ما حدث لنا، ونبدأ في التعامل مع النعمة كأنها حق مكتسب، لا هدية مؤقتة.
الحب لا يحتاج معجزات كي يستمر، بل يحتاج ذاكرة يقظة. يحتاج أن نتذكر لماذا اخترنا، ولماذا تمسّكنا، ولماذا رأينا في هذا القلب وطنًا. يحتاج أن نعيد النظر إلى الوجوه التي ألفناها كما لو أننا نراها للمرة الأولى، وأن نستعيد الامتنان قبل أن يتحول إلى عادة صامتة.
نحن لا نخسر حين يقل الحب، بل حين يقل الانتباه. حين نظن أن البقاء مضمون، فنؤجل الامتنان إلى أجلٍ غير معلوم، ونؤجل الكلمات الدافئة إلى وقتٍ لاحق قد لا يأتي. ومع كل تأجيل صغير، تتسع المسافة دون أن نشعر، حتى نجد أنفسنا غرباء في علاقة ظننا أنها محصنة ضد الغياب.
المأساة ليست في أننا لم نحب بما يكفي، بل في أننا لم نتذكّر بما يكفي. نسينا أن بعض القرارات لا تُكرَّر، وأن بعض الأشخاص، حين يرحلون، لا يعودون كما كانوا. ليس لأنهم تغيروا فقط، بل لأن النسخة التي أحبتهم فينا لم تعد موجودة كما كانت.
ربما لا نحتاج حبًا جديدًا بقدر ما نحتاج ذاكرة أنقى.
ذاكرة تعيدنا كل يوم إلى لحظة الاختيار الأولى،
حتى لا نصحو ذات يوم ونسأل بدهشة متأخرة:
متى أصبح الوطن عاديًا؟






المزيد
ميزان_القلوب
ميزان_القلوب
ميزان_القلوب