ما لا نقوله
الكاتب عمرو سمير شعيب
ليست المشكلة في ما نقوله لبعضنا بقدر ما هي في كل ما نتعلم إخفاءه مبكرًا، فنحن نتقن منذ سنواتنا الأولى فنّ تهذيب مشاعرنا قبل تهذيب كلماتنا، نراقب وجوه من حولنا لنعرف أي انفعالٍ مسموح وأي شعورٍ ينبغي تأجيله، فنبتسم حين يُطلب منا أن نكون بخير حتى لو لم نكن كذلك، ونخفض أصوات مخاوفنا كي لا تبدو مبالغًا فيها، ونقلّص احتياجاتنا العاطفية حتى لا نتهم بالحساسية الزائدة، ومع الوقت لا يعود الإخفاء سلوكًا عابرًا بل يصبح نمطًا داخليًا دائمًا، فنعتاد أن نمرّ بأيامنا محاطين بكلماتٍ كثيرة تخفي خلفها صمتًا كثيفًا لا يسمعه أحد، نتحدث عن العمل والإنجاز والخطط القادمة لكننا نتلعثم حين يقترب الكلام من تعبٍ قديم أو من خوفٍ لا نعرف كيف نشرحه، فنؤجّل الاعتراف مرة بعد مرة حتى يتحوّل التأجيل إلى قطيعة صامتة بيننا وبين أعمق ما فينا، ونظن أننا نحافظ على تماسكنا بينما نحن في الحقيقة نتدرّب على تجاهل ذواتنا، إذ ليس أصعب على الإنسان من أن يعيش طويلًا وهو يقدّم نسخةً منقّحة عن نفسه تناسب السياق ولا تعبّر عنه بالكامل، وحين يعتاد هذا الدور يصبح الصمت جزءًا من هويته، فيجد صعوبة في التفرقة بين ما لا يريد قوله وما لم يعد قادرًا على قوله أصلًا، وهنا يتكوّن ذلك الثقل الخفي الذي لا يظهر في الملامح لكنه يرافق الروح، ثقل الأشياء غير المعبَّر عنها والدموع المؤجّلة والاعترافات التي لم تجد لحظةً آمنة للخروج، فنمضي في علاقاتنا ونحن نظن أننا مفهومون بينما أهم ما فينا لم يُقل بعد، ونستغرب أحيانًا شعور الوحدة رغم وجود الآخرين حولنا لأن القرب الحقيقي لا يحدث بالكلمات الظاهرة بل بما يُسمح له أن يُقال دون خوف، ولعل أكثر ما يحتاجه الإنسان في بعض مراحله ليس نصيحة ولا حلًا ولا تفسيرًا، بل مساحةً يُتاح له فيها أن يكون صادقًا بلا تنميق، أن يقول إنه متعب دون أن يُطالَب بالشكر، وأن يعترف بأنه خائف دون أن يُطالَب بالقوة، لأن ما لا نقوله لا يختفي بل يتراكم، وما نؤجله لا يموت بل ينتظر، وما نخفيه حفاظًا على صورتنا قد يكون هو الجزء الأصدق فينا، وربما تبدأ المصالحة الحقيقية مع الذات حين نتوقف عن سؤال كيف سنبدو إذا تكلمنا، ونبدأ في سؤال ماذا سيحدث لنا إذا ظللنا صامتين أكثر من اللازم.






المزيد
القلم و الورقة بقلم عبدالرحمن غريب
شمس جديدة بقلم عبدالرحمن غريب
رمضان… ميزان القلب بقلم الكاتب هاني الميهى