مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

لم أصنع فيلمًا… لكني صنعتُ نفسي

بقلم/ يحيى القطب 

الحياة ليست طريقًا مُعبّدًا باليُسر، بل ميدان اختبارٍ تتجاور فيه العوائق والفرص. وكل تجربة نمرّ بها تُخفي درسًا لا ينكشف إلا بعد حين. قوة الإنسان لا تُقاس بخلوّ أيامه من العثرات، بل بقدرته على النهوض، والتعلّم من الخطأ، والتشبث بقيمه حين تشتدّ الرياح. فالعِبرة ليست أن نتفادى المشكلات، بل أن نحوّلها إلى درجات نرتقي بها نحو نضجٍ أعمق ونموٍّ أصدق.

بدأت رحلتي مع الكتابة عام 1998، وأنا في الصف الثاني الإعدادي. كنت أكتب في دفتر صغير عن شخصيات أحببتها، مثل صلاح الدين الأيوبي وخالد بن الوليد، أرسم خطط المعارك، وأدوّن نصوصًا قصيرة لا تتجاوز عشرة موضوعات. كانت محاولة بسيطة، لكنها كانت البذرة الأولى.

في سن الرابعة عشرة، توسّع الحلم. لم أعد أريد مجرد الكتابة، بل أن أصنع فيلمًا كاملًا بكل عناصره. لكن في مطلع الألفينات في مصر، لم يكن الجرافيك معروفًا أو شائعًا، فضلًا عن كونه مكلفًا. برنامج مثل 3D Max كان حلمًا بعيد المنال، وثمن دوراته التدريبية للحصول على دبلومة كاملة كان يتجاوز ثلاثين ألف جنيه.

لم أتوقف أمام ما لا أملك، بل صنعتُ عالمي الخاص بما هو متاح. أنشأت شركتي الوهمية التي سميتها COPY اختصارًا لـ

Company of Production of Yahya.

صممت الشخصيات وحرّكتها عبر Poser v.4، وأنشأت المناظر الطبيعية باستخدام Bryce v.5، وبنيت البيوت ببرنامج Home3D، وجمعت المشاهد على Windows Movie Maker، وحتى التترات كتبتها على PowerPoint.

أما الموسيقى التصويرية، فلم تكن لدي آلة عزف. استخدمت برنامج MIDI Piano، وأحيانًا آلة حاسبة قديمة تعزف الألحان عبر الأرقام. من خلالها بدأت ألحّن بنفسي، محاولًا محاكاة النمط العالمي، ولا أزال أذكر أحد ألحاني البسيطة:

La si do miiiii — La si do soool reeeee

Fa-mi-re-di-si+si-laaaaa

الأصوات وفّرها أصدقاء من الجامعة قبلوا أن يكونوا ممثلين صوتيين. لم يكتمل الفيلم الكبير، لكنني صنعت كليبات قصيرة (نحو دقيقة واحدة)، ورفعتها على الإنترنت عبر قناة سميتها bravedeadheart.

في تلك الفترة، كنت أتعرف على متعلمين من مختلف أنحاء العالم عبر ICQ. كثيرٌ منهم قضوا عامًا كاملًا لتعلّم تركيب Layers أو تحريك شخصية بسيطة، بينما كنت أجرّب وأبتكر وأسابق الوقت بإمكاناتي المحدودة.

اليوم، وأنا أنظر إلى الوراء، أدرك أنني لم أخرج صفر اليدين. صحيح أن فيلم الحلم لم يكتمل، لكنني حققت ما هو أعظم: إرادة المبدع الذي لا يعترف بالقيود.

ولم تتوقف الرحلة عند تلك التجارب؛ فقد كتبتُ وأصدرتُ أربعة كتب باستخدام الهاتف المحمول فقط:

شهادة الآلة (دار نبض القمة)،

الرسائل السبع (دار بصمة كتاب)،

الدجال – دراسة جديدة حول أكبر الفتن (دار نبض القمة)،

والخليفة: النلازة – آمنتت برقوس.

الخلاصة:

الإبداع ليس حكرًا على أصحاب المال أو الأدوات أو الاستوديوهات الضخمة. الإبداع يولد حين ترفض العجز، وتقرّر أن تبدأ بما تملك، مهما كان قليلًا. وإذا ظننت يومًا أن الإمكانيات المطلوبة لتحقيق حلمك هائلة، فتذكّر أن الطريق يُبنى بخطوة إرادة، تتبعها خطوة تطبيق، لا بثمنٍ أو أدواتٍ فاخرة.