بقلم الدكتورة/إسلام محمد
استشارية الصحه النفسيه والإرشاد الاسري والزواجي ودكتوراه في التنميه البشريه وتطوير الذات وصاحبه كتابي (البحث عن الذات و كتاب طوظ)
يعيش الإنسان في علاقاته مع الآخرين على افتراضٍ داخلي يقول إن الأمور ستظلّ كما هي، وإن الأشخاص الذين نعرفهم اليوم هم أنفسهم الذين سنعرفهم غدًا. لكن الواقع يثبت أنّ التغيّر جزء أصيل من الطبيعة البشرية، وأن كثيرًا من الناس يتبدّلون فجأة، فيتصرفون بطريقة تُربك من حولهم، وتثير أسئلة موجعة:
لماذا تغيّروا؟ ولماذا الآن؟
التحوّل المفاجئ في سلوك الأشخاص لا يأتي من العدم، بل غالبًا ما يسبقه تراكم داخلي لا يراه الآخرون. فقد يمرّ الإنسان بصراعات نفسية صامتة، أو ضغوط متتالية، أو خيبات تراكمت بصمت حتى أثقلت قلبه. وعندما يصل إلى نقطة معينة، يظهر التغيّر فجأة لأنّه ظلّ طويلًا يخفي ما يشعر به.
ومن أبرز أسباب تغيّر الناس فجأة الإرهاق العاطفي. فهناك من يستنزف نفسه في إرضاء الآخرين، ويقدّم أكثر مما يحتمل، ويصبر طويلاً، حتى يصل إلى مرحلة لا يستطيع فيها الاستمرار. فيقرر الانسحاب أو تغيير طريقته دون سابق إنذار، لأنّ طاقته لم تعد تسمح بالمزيد.
كما أنّ اكتشاف الحقيقة قد يدفع الإنسان إلى التغيّر المفاجئ. قد يسمع كلمة فتوقظه، أو يرى موقفًا يكشف له ما كان يجهله، أو يكتشف حقيقة عن علاقةٍ ما، فيتغيّر قراره ومشاعره واتجاهه في لحظة واحدة، وكأن شيئًا داخله قد انكسر أو استيقظ.
وهناك أيضًا من يتغيّر لأنه نضج. فالإنسان حين يكبر في وعيه، يرى العالم بشكل مختلف، ويتوقّف عن التمسّك بأشياء لم تعد تناسبه. هذا النضج قد يبدو للآخرين تغيّرًا مفاجئًا، لكنه في الحقيقة تطوّر طبيعي مرّ بمراحل طويلة لم يلحظها أحد.
ولا يمكن تجاهل أنّ بعض التغيّرات تأتي بسبب الجرح؛ فهناك من يُؤذى مرّة تلو الأخرى، حتى يقرّر أن يغيّر طريقة تعامله، أو يقلّل قربه من الآخرين، أو يحمي نفسه بصمت. الجرح أحيانًا يجعل الإنسان ينسحب دون أن يشرح، لأنه فقد القدرة على التبرير.
وفي النهاية، ليس كل تغيّر خيانة، ولا كل انسحاب إهمال.
الناس يتغيّرون لأنّهم يتألمون، ينضجون، يكتشفون، أو يصلون إلى حدودهم الأخيرة.
ويبقى الأهم هو أن نفهم أنّ التغيّر ليس دائمًا قرارًا ضدّنا… بل قد يكون قرارًا من أجلهم.






المزيد
الزمن الكاذب
صورةُ الإنسان في مرآةِ الآخرين
الشاهد الوحيد