بقلم/ يحيى القطب
لماذا أكتب؟
ليس لأنني أحبّ الكتابة، ولا لأن الكلمات تُغويني، ولا لأن لديّ فائضًا من الوقت أو الرغبة في الظهور.
أكتب لأن الصمت — في حالتي — ليس حيادًا، بل تواطؤ!
أكتب لأنني أدركت مبكرًا أن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس الجهل، بل الاطمئنان إلى جهلٍ مُقدّس؛ جهلٌ يلبس ثوب الحكمة، ويُسوَّق باسم الدين، أو الوطنية، أو العقلانية، أو حتى “التنوير”.
ذلك النوع من الجهل الذي لا يصرخ، بل يبتسم بثقة… ويغلق باب السؤال.
أكتب لأن الروايات الجاهزة لا تُقنعني
في كل مرحلة من حياتي، كنت أجد نفسي في مواجهة قصة مكتملة، مصقولة، ومُغلقة بإحكام.
قصة تُقال لي: هكذا حدث الأمر، وهكذا يجب أن تفهمه، وهكذا ينتهي النقاش.
لكن شيئًا في داخلي كان يرفض الاكتمال السريع.
كنت أرى دائمًا فراغًا صغيرًا في قلب الحكاية… ثغرة لا يتوقف أحد عندها، لأن التوقف مزعج، ومكلف، وقد يفضي إلى أسئلة لا يريد أحد تحمل تبعاتها.
أكتب لأنني لا أرتاح للحكايات التي لا تسمح بإعادة النظر.
أكتب لأن السؤال عندي أهم من الإجابة
لم أكن يومًا مولعًا بإجابات نهائية.
الإجابات تُغلق الدائرة، أما الأسئلة فتبقي العقل حيًّا.
الكتابة بالنسبة لي ليست منصة لإلقاء الحقائق، بل مساحة اختبار:
اختبار للأفكار، للمسلّمات، ولليقين الذي نرثه دون أن نجرؤ على تفكيكه.
كل ما أكتبه — مهما اختلف شكله بين رواية، أو فكر، أو خيال — يدور حول سؤال واحد يتخفّى في صيغ متعددة:
كيف يضلّ الإنسان وهو يظنّ أنه على الحق؟
أكتب لأن الغباء حين يُقدَّس يصبح خطرًا
لا يخيفني الجهل البسيط، ولا الخطأ الصريح، ولا حتى الشك.
ما يخيفني حقًا هو الغباء الذي يُحمى بالهالة، ويُمنح حصانة أخلاقية أو فكرية.
حين يصبح التفكير جريمة،
وحين يُكافأ الترديد ويُعاقَب الفهم،
وحين يتحوّل السؤال إلى شبهة…
هنا تصبح الكتابة ضرورة، لا ترفًا.
أكتب لا لأهاجم، بل لأُربك.
لأن الإرباك — أحيانًا — هو أول طريق الوعي.
أكتب لأنني لا أثق في الهدوء العام
الهدوء الذي لا يمرّ عبر عقل ناقد ليس سكينة، بل تخدير.
والمجتمعات لا تنهار دائمًا بالصراخ… أحيانًا تنهار بالتصفيق.
الكتابة عندي محاولة لكسر هذا الإيقاع المريح،
لطرح سؤال غير مرغوب فيه،
ولإعادة فتح ملف ظنّ الجميع أنه أُغلق إلى الأبد.
أكتب لأنني إن لم أفعل… سأختنق
هذه ليست استعارة.
الكتابة بالنسبة لي آلية تنفّس.
لو لم أكتب، ستتراكم الأسئلة بلا مخرج،
وسيتحوّل التفكير إلى عبء،
والوعي إلى غضب صامت،
والغضب إلى عزلة قاسية.
أكتب كي لا أتحوّل إلى شخص ساخط على العالم،
وكي لا أحتقر الناس لأنهم لم يسألوا،
وكي لا أحتقر نفسي لأنني صمتُّ.
أكتب، لا لأغيّر العالم… بل لأبقى صادقًا
لا أدّعي أن الكتابة تُنقذ،
ولا أزعم أنها تُصلح،
ولا أحمّلها وهم التغيير الشامل.
أكتب فقط لأنني أرفض أن أعيش داخل قصة لم أشارك في مساءلتها.
أكتب لأنني أؤمن أن الإنسان يُهزم لحظة يتوقف عن السؤال وهو يظن أنه وصل.
ولهذا، إن أردت جوابًا مختصرًا:
أكتب… لأن الصمت في حضرة الزيف خيانة،
ولأن السؤال — مهما كان مؤلمًا — أرحم من يقين كاذب.






المزيد
التسول في مرآة التاريخ
التسوّل… من المسؤول؟
مقاصد الزهد: بين جوهر العطاء ووهم الفناء