مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كما أنت أحببتك : بقلم :سعاد الصادق

كما أنت أحببتك :
بقلم :سعاد الصادق

 

قصة قصيرة
في قرية صغيرة لا يعبرها الكثير من الغرباء،
تعلّمت نور أن للحب وجوهًا كثيرة،
وأن أجملها ذلك الذي يُعطي ولا ينتظر شيئًا في المقابل…….

في قرية هادئة يطوقها الجبل ويعانقها الصبح بندى العشب، كانت تعيش نور؛ فتاة بسيطة لكن روحها كالماء… رقراقة، شفافة، تمنح الحياة ما تستطيع دون أن تنتظر المقابل. تعمل مع والدها في المزرعة، تجمع المحصول وتعتني بالأغنام وترى في التعب جمالًا لا يدركه الكثيرون.

في تلك الأيام وصل إلى القرية الطبيب البيطري محمد. رجل يحمل في مشيته أثر حادث قديم، وفي عينيه ظل حزن طويل. بدا غريبًا بينهم، هادئًا أكثر مما يلزم، كمن يخشى أن تقترب منه الحياة مرة أخرى.

غير أن نور رأت فيه شيئًا لم يلاحظه سواها…

نور: صباح الخير دكتور… لدينا ماشية مريضة. هل تزورنا اليوم؟
تردد للحظة، ثم قال بابتسامة خفيفة:
محمد: سأحاول… بطء قدمي لا يمنعني من العمل، فقط يجعلني أحتاج وقتًا أطول.

ومن زيارة لزيارة بدأ الحديث يمتد، ثم يتعمق. صار محمد يحكي، ونور تستمع — لا بشفقة، بل باحترام. ومع الوقت صار قلبه يتنفس من جديد، وصار حضورها دواءً لا يُكتب بوصفة طبية.

وحين اعترف لها يومًا قائلاً:
محمد: أشعر وكأنك الضوء الذي يبدد كل العتمة التي بداخلي.
أجابته بخجل يشبه الندى:
نور: أنت تستحق أن تضيء، فقط امنح نفسك فرصة.

كبر الحب بينهما كما يكبر الزهر بعد المطر. وعندما طرح محمد مشروعه بتحويل قش الأرز وعدان الذرة إلى أعلاف وألواح خشبية صديقة للبيئة، سرت الحماسة في عيني نور فورًا. لكنها صُدمت كما صُدم غيرها بردود أهل القرية…

أحد الرجال: مشروع جديد؟! ومن يضمن نجاحه؟
امرأة مسنّة: نحن معتادون على الحرق منذ سنوات، لماذا نغير؟

لم يلتفتوا كثيرًا للفكرة.
ظلت النظرات متحفظة، والكلمات باردة.

حينها حمل محمد ونور ووالدها العبء وحدهم — التمويل، التجربة الأولى، الفشل الصغير، ثم المحاولة التالية. كانت ليالٍ طويلة من العمل وصبرًا ثقيلًا، لكن الأمل كان دائمًا يتنفس بينهم.

وبعد أشهر… نجح المشروع.
امتلأت حظائر القرية بأعلاف صحية رخيصة، وصُنعت الألواح الخشبية لأول مرة، ثم وقف الجميع مندهشين أمام ما تجاهلوه يومًا.

أحد الشيوخ: لم نكن نرى… لكنكم رأيتم.
مرة أخرى: كان علينا أن نسمعكم منذ البداية.

ارتفع اسم محمد في القرية، وارتفع قبلهما قلب نور فخرًا.
لم يكن نجاحًا اقتصاديًا فقط — كان انتصارًا للحب، للإصرار، للثقة التي لا تشترط شيئًا.

تزوجا بعد ذلك بوقت قصير، وظل كل منهما سندًا للآخر.
لا كمال في الحياة — لكن الحب، حين يكون صادقًا، يجعل الطريق أيسر وأكثر نورًا.

وفى الختام.

لم يكن انتصارهما في المشروع فقط،
بل في تلك اليد التي تشبّثت بالأخرى حين تخلّى الجميع.
فبعض القلوب لا تحبك لما تقدّمه…
بل تحبك لأنك أنت….