مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كسرت أضلعي بقلم صافيناز عمر 

أكتب إليكِ اليوم وكأنني أكتب إلى ظلٍّ يرافقني منذ ولادتي، ظلٍّ كان من المفترض أن يحميني من قسوة الشمس وبرد الليل، لكنني كثيرًا ما شعرت أنني أعيش تحته من غير أن أجد الدفء الذي حلمت به.

لا أعرف إن كان الوقت قد فات على الحديث، أو إن كانت الكلمات التي أخبئها منذ أعوام ستجد طريقها إلى قلبك لكنني يا أمي لم أعد أحتمل أن أبقى صامتة، أُخفي جرحًا يزداد عمقًا كل يوم، وأخشى أن يأتي وقت لا أستطيع فيه أن أمدّ إليك يدي، لأن المسافة بيننا ستصبح أوسع من أن تُجتاز.

أمي..

أنا ابنتك، قطعة منكِ، ملامحي تحمل ملامحكِ، وصوتي حين ينكسر يشبه صوتكِ حين كنتِ حزينة. كنت أظن أن الدم الذي يجري في عروقي سيجعلني أقرأكِ بلا كلمات، وأن قلبكِ سيقرأني قبل أن أتحدث. لكنني اكتشفت أن بيني وبينكِ حجابًا من الصمت، وحائطًا من الغربة، حتى صار حديثي إليك أشبه برسائل أتركها على عتبة قلبك ولا أدري إن كنتِ تقرئينها.

كم ليلة عدتُ فيها من الدنيا مثقلةً بما لا يُحتمل، أغلقت باب غرفتي، وجلست أرتجف من ثقل الحزن، وأنتظر أن تطرقين الباب، أن تقتربين، أن تضعين يدكِ على رأسي وتقولي لي : “أنا هنا، لا تخافي” لكنّ الباب بقي مغلقًا، وصوت خطواتك لم يقترب. وكم مرّة هممت أن أجيء إليك وأبوح لك بكل شيء، لكن شيئًا في داخلي كان يردعني خوف من أن لا أجد الصدى، أو من أن أواجه نظرة عابرة تمرّ على أوجاعي وكأنها لم تكن.

يا ‘أمي’..

أنا لا أنكر أنكِ تعبتِ من أجلنا، وضحيتِ بما لا يُحصى، لكن العطاء يا أمي لا يُقاس بالخبز وحده، ولا بالثياب ولا بالمأوى، بل يُقاس أيضًا بالكلمة التي تُسكّن القلب، وبالاحتضان الذي يعيد للروح يقينها بأن في هذه الدنيا ملاذًا آمنًا. وأنا كنت أحتاج إلى هذا الملاذ منك أكثر من حاجتي إلى أي شيء آخر.

أقسى ما في الأمر، أنني حين أنظر إليكِ، لا أرى فقط أمي، بل أرى المرأة التي كان من الممكن أن تكون أقرب إليّ من نفسي لكنها دون أن تدري ابتعدت حتى صارت المسافة بيننا صحراء ممتدة، أمشي فيها وحيدة، أبحث فيها عن ظلّك فلا أراه.

أمي ..

كنت أرى في غيرنا من الأمهات والبنات ما يحرق قلبي شوقًا ضحكات مشتركة، همسات في منتصف الليل، أسرار صغيرة لا يعرفها أحد سواهما، عناق طويل بلا سبب سوى الحب. كنت أرى وأتساءل: لِمَ لسنا نحن كذلك؟ أين ذهب ذلك الخيط الخفي الذي كان ينبغي أن يصل روحينا؟ ولماذا لم أجد منكِ اليد التي تمسح دموعي قبل أن تسقط؟

ربما لا تشعرين بعمق الجرح، وربما ترين أن البعد أمر طبيعي، لكنني يا أمي أحارب كل يوم لأكسر هذا الحاجز، أحارب كي لا أعتاد الغربة عنكِ، لأنني أخشى إن اعتدتها أن يبهت في قلبي الرجاء بالعودة إليك.

سامحيني إن كانت كلماتي ثقيلة، لكنها الحقيقة التي ظلت تؤلمني في صمت، حتى صار الصمت نفسه جرحًا. أنا أكتب إليكِ لا لأعاتبكِ فقط، بل لأصرخ في وجه المسافة: كفى امي ، كفى بُعدًا، كفى صمتًا، كفى غربةً بين قلبين جمعهما الله برباط لا ينقطع.

أمي..

أنا مهما كبرت، ومهما أظهرت لكِ القوة، سأبقى طفلتكِ التي تحتاجكِ. سأبقى تلك الفتاة التي تحلم أن تجد حضنكِ مفتوحًا لها في كل وقت، أن تسمع منكِ كلمة “أنا فخورة بكِ” وكأنها وسام يوضع على صدرها، أن تعرف أنكِ ترينها حقًّا، لا أن تمرّ في حياتك كعابرة سبيل.

إنني أرجوكِ يا أمي أن نعيد بناء الجسر بيننا، أن تفتحي قلبكِ لي كما أفتحه لكِ الآن، أن نستعيد تلك الأحاديث التي لم تحدث، وتلك الدموع التي لم تُمسح، وتلك الضحكات التي لم نضحكها. فأنا لا أطلب المستحيل، بل أطلب قلبكِ وأظن أن قلب الأم لا يُستعصى على الاقتراب.