مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كتاب وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا بقلم الكاتب هاني الميهى

كتاب وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا بقلم الكاتب هاني الميهى

عنوان الفصل: الفصل الثالث – عمق النفس

عنوان الجزء: الجزء الرابع – كيف تُصبح النفس قائدًا أو خصمًا؟.

 

حين تأمّلت أطوار النفس فى رحلتى الطويلة معها، وجدت أنّ أكبر معركة يواجهها الإنسان ليست مع ظرف خارجي، ولا مع مجتمع مضطرب، ولا حتى مع الماضي بما يحمله من ندوب، بل هى مع الهيمنة الداخلية: تلك اللحظة التى تقرر فيها النفس أن تكون إمّا قائدًا يدفع الإنسان نحو الاتزان، أو خصمًا يجرّه إلى التشتت والضياع.

وقد أدركت شيئًا مهمًا:

أنّ النفس لا تولد قائدًا، ولا تنشأ خصمًا من تلقاء ذاتها، بل تتشكل وفق طريقة تعامل الإنسان معها. فالنفس تُشبه القوة الخام؛ يمكن أن تبنى مدينة، ويمكن أن تهدمها، لكن قرار الاتجاه يظل بيد صاحبها.

كنت أظن فى بداية تجربتى أن السيطرة على النفس تعنى إخضاعها بالقوة، أو كبت رغباتها، أو تجاهل ضعفها. وظللت أعانى طويلًا من هذا الوهم، حتى فهمت أن النفس لا تُقاد بالقهر، بل تُقاد بالحكمة. وأن الخصم الأكبر ليس النفس ذاتها، بل الجهل بطبيعتها.

وحين بدأت أفهمها، اكتشفت أن النفس تمرّ بثلاث حالات، وكل حالة منها تستطيع أن تغيّر مصير الإنسان بشكل كامل:

الحالة الأولى: النفس المتروكة.

وهى النفس التى لم يلتفت صاحبها لاحتياجاتها، ولم يفهم أهدافها، ولم يضبط انفعالاتها. هذه النفس تتحول سريعًا إلى خصم شرس. ليست شرسة لأنها شريرة، بل لأنها تعيش بلا توجيه، فتنتقل بين رغبة عاجلة، وخوف مفاجئ، وطموح غير ناضج. هذه النفس لا تعرف الطريق، ولذلك تُتعب صاحبها فى كل طريق.

وقد رأيت فى نفسى بعضًا من هذه الحالة حين كنت أتركها للصدفة، فتقودنى مرة بالحماس، ومرة بالاندفاع، ومرة بالخوف، دون أن أفهم ما الذى أريده حقًا، ودون أن أمتلك شجاعة مواجهتها.

الحالة الثانية: النفس المدركة.

وهى النفس التى يبدأ الإنسان فى فهمها، لا ليُدلّلها، بل ليعرف حدودها. فى هذه المرحلة، يتوقف الإنسان عن لوم النفس، ويبدأ فى محاسبتها. يضع أمامها مرآة من الصدق، لا مرآة من القسوة، فيرى فيها ما يعجز غيره عن رؤيته.

وهنا يبدأ التغيير الحقيقى، لأن النفس حين تُفهم، تبدأ فى الاستجابة. فهى مثل طفل لم يجد من يشرح له ما يجب أن يفعل، فإذا وجد هذا التوجيه، هدأ، واستقام، وكفّ عن العناد.

الحالة الثالثة: النفس القائدة.

وهى ثمره الجهد الطويل. النفس التى تُصبح سندًا لصاحبها، لا عبئًا عليه. هذه النفس لا تلغى ضعف الإنسان، لكنها تمنحه قدرة على التعامل معه بلا خوف.

النفس القائدة لا تدفع الإنسان إلى الصراع مع الآخرين، بل تدفعه إلى الصراع مع ذاته، حيث تنمو القوة الحقيقية. وهى التى تدفعه إلى العمل حين يتكاسل، وإلى العدل حين يغضب، وإلى التسامح حين يَقسُو العالم.

ولم أصل إلى هذه الحالة فجأة، بل وصلت إليها حين أدركت أن القيادة ليست أن أفرض عليها ما أريد، بل أن أفهم ما تريده هى، ثم أوجّهها إلى ما ينفعها. فالنفس القائدة ليست نفسًا مطيعة، بل نفسًا واعية.

ولذلك، كلما رأيت إنسانًا تُضيّعه لحظة غضب، أو تهدمه رغبة عابرة، أو تقوده مقارنة ساذجة، كنت أقول فى نفسى: “إنه لم يفهم نفسه بعد.” فالخصم ليس الحدث، ولا الشخص، ولا المجتمع، بل غياب القيادة الداخلية.

وهكذا فهمت أن النفس تصبح قائدًا حين تُربّى، وتصبح خصمًا حين تُهمل. وأن الإنسان لا يصنع مستقبله بما يحدث له، بل بما يحدث داخله.

 

رسالة الجزء الرابع

“النفس لا تُصبح قائدًا بالقوة، بل بالفهم… ولا تتحول إلى خصم إلا حين تُترك بلا توجيه.”

 

#هانى_الميهى

#كتابونفسوما_سواها