مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كتاب وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا بقلم الكاتب هاني الميهى

الفصل الخامس – ميزان النفس

كتاب وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا بقلم الكاتب هاني الميهى

الجزء الثالث – حدود النفس ومساحة التنازل

 

لم أكن أُدرك خطورة التنازل إلا بعد أن تكرّر. فالتنازل الأول يبدو رحيمًا، والثانى مبرَّرًا، والثالث اعتيادًا، ثم لا ألبث أن أكتشف أننى لم أتنازل عن موقف، بل عن جزء من نفسى. عندها فقط فهمت أن للنفس حدودًا، وأن تجاوزها لا يحدث فجأة، بل بخطوات صغيرة لا تُرى.

حدود النفس ليست جدرانًا صلبة، بل خطوطًا دقيقة تحفظ توازن الإنسان. هى المسافة الفاصلة بين المرونة والانكسار، بين الحكمة والتفريط، بين التعايش والتنازل عن الجوهر. وما لم تُعرَف هذه الحدود بوضوح، يصبح الإنسان عُرضة لأن يقدّم نفسه قربانًا لكل ظرف، وكل ضغط، وكل طلب مغلّف بالضرورة.

فى رحلتى مع نفسى، لاحظت أن أخطر ما يواجه الإنسان ليس أن يقول “نعم” حين يجب أن يقول “لا”، بل أن يُقنع نفسه بأن هذه الـ“نعم” لا تؤذيه. النفس بارعة فى التبرير، خاصة حين يكون التنازل مؤلمًا، فتمنحه مسمّيات نبيلة: مراعاة، تضحية، واقعية. غير أن الميزان لا يُخدع بالأسماء، بل بالنتائج.

تعلمت أن أميّز بين التنازل الذى يحفظ السلام الداخلى، والتنازل الذى يسرقه. الأول يُشعرك بالهدوء بعد اتخاذه، أما الثانى فيترك داخلك ضيقًا لا يُفسَّر. ذلك الضيق هو صوت النفس حين تُنتزع من موضعها الطبيعى. تجاهله خطر، لأنه أول إشارات اختلال الميزان.

حدود النفس لا تعنى القسوة، ولا الانغلاق، ولا التصلّب. بل تعنى الوضوح. أن تعرف ما الذى يمكن أن تتجاوزه دون أن تخسر نفسك، وما الذى إن تجاوزته ستضيع ملامحك شيئًا فشيئًا. هذا الوضوح لا يأتى من التنظير، بل من التجربة، ومن الصدق مع الذات بعد كل موقف.

فى بعض اللحظات، وجدت نفسى أتنازل خوفًا من الوحدة، أو رغبة فى القبول، أو هربًا من صراع مرهق. وكنت كل مرة أُقنع نفسى أن الأمر مؤقت، وأنى أستطيع العودة لاحقًا. لكن العودة لم تكن سهلة، لأن النفس حين تعتاد تجاوز حدودها، تفقد حساسيتها تجاه الألم.

أدركت أيضًا أن المجتمع لا يحترم من لا يحترم حدوده. فالتنازل الزائد لا يُكسب تقديرًا، بل يُشجّع على المزيد من التعدّى. والنفس التى لا تضع لنفسها خطًا واضحًا، سيضع لها الآخرون خطوطهم، وفق مصالحهم لا وفق مصلحتها.

من أصعب القرارات التى اتخذتها كانت تلك التى وضعت حدًا لما اعتدت عليه. حدود لعلاقات، لمواقف، لسلوكيات كنت أراها جزءًا منى. كان الألم حاضرًا، لكنّه كان ألم شفاء، لا ألم فقد. ومع الوقت، أدركت أن النفس لا تقوى إلا حين تُحمى، لا حين تُستنزف.

حدود النفس ليست رفضًا للحياة، بل تنظيم لها. هى ما يسمح لك أن تعيش دون أن تذوب، وأن تُعطى دون أن تُستنزف، وأن تتنازل دون أن تنكسر. وحين يستقيم هذا الفهم، يعود ميزان النفس إلى اعتداله، وتستعيد البوصلة دقتها.

وفى نهاية هذا الجزء، أدركت أن التنازل الحقيقى ليس أن تتخلّى عن شىء من أجل الآخر، بل أن تتخلّى عن وهم أنك تستطيع إرضاء الجميع دون أن تخسر نفسك.

رسالة الجزء

التنازل الذى يتجاوز حدود النفس لا يصنع سلامًا، بل يؤجّل الانكسار.

 

#هاني_الميهى

#وَنَفْسٍوَمَاسَوَّاهَا