مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كتاب وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا بقلم الكاتب هاني الميهى

الويل كحالة نفسية

كتاب وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا بقلم الكاتب هاني الميهى

لم يبدأ الويل يوم سقطت الدول،

 

ولا حين ارتفعت الأسعار،

ولا عندما امتلأت الشاشات بأخبار القلق والحروب.

الويل الحقيقي بدأ في لحظة أبسط… وأخطر:

حين تغيّرت علاقة الإنسان بنفسه.

في البداية لم يكن هناك صراخ،

بل إحساس غامض بالثِقَل.

ثِقَل لا يُرى،

ولا يُقاس،

لكنه يُنهك صاحبه ببطء شديد.

الإنسان لم يعد خائفًا من شيء محدد،

بل صار خائفًا بلا سبب واضح.

قلق يسكن الصدر،

وتوجس يسبق كل خطوة،

وشعور دائم بأن القادم يحمل ما لا يُحتمل،

حتى وإن بدت الحياة – ظاهريًا – مستقرة.

وهنا تظهر أخطر مراحل الويل:

حين يصبح الخوف حالة طبيعية،

وحين يتعايش الإنسان مع القلق

كما لو كان جزءًا من تكوينه.

الويل كحالة نفسية لا يحتاج إلى كارثة،

ولا إلى انهيار مفاجئ.

هو ينجح حين يُقنعك أن ما تشعر به عادي،

أن الإرهاق المستمر طبيعي،

أن انطفاء الشغف مرحلة،

أن النوم بلا راحة أمر شائع،

وأن الحياة بلا معنى واضح… مجرد سنّة العصر.

في هذه المرحلة،

لا يشعر الإنسان أنه ينهار،

بل يشعر أنه “يتأقلم”.

وهذا هو الفخ.

التأقلم مع الألم

لا يعني الشفاء،

بل يعني أن النفس بدأت تفقد حساسيتها،

وتتعلم كيف تعيش وهي مثقلة.

الويل النفسي لا يقتل الرغبة فجأة،

بل يضعفها.

لا يسلب الأمل دفعة واحدة،

بل يجعله هشًا،

قابلًا للكسر عند أول صدمة.

يبدأ الإنسان في فقدان قدرته على الاحتمال،

ليس لأنه ضعيف،

بل لأنه استُهلك طويلًا دون وعي.

ضغوط متراكمة،

مقارنات لا تنتهي،

مطالب أعلى من الطاقة،

وتوقعات لا ترحم.

وحين تعجز النفس عن التصريف،

تبدأ في الانكماش.

تضحك… لكن بلا خفة.

تعمل… لكن بلا روح.

تنجح… لكن بلا رضا.

وتنجو… لكن بلا إحساس بالنجاة.

وهنا يتحول العقل إلى ساحة استنزاف،

لا إلى أداة فهم.

يفكر أكثر… ويطمئن أقل.

يحلل كل شيء… ويثق في لا شيء.

ويعيش في حالة استعداد دائم

لخطر لم يظهر بعد.

الويل النفسي لا يحتاج إلى عدو خارجي،

لأن النفس – حين تُترك بلا وعي –

تصبح خصمًا قاسيًا لصاحبها.

تضخّم المخاوف،

وتعيد تشغيل الذكريات المؤلمة،

وتُقنع الإنسان أن ضعفه هو حقيقته،

وأن تعبه نهاية لا مرحلة.

وهنا يُخطئ الكثيرون حين يظنون

أن الخلاص يبدأ من الخارج:

قرار سياسي،

تحسن اقتصادي،

أو نهاية أزمة.

بينما الحقيقة أبسط… وأصعب:

إن لم تُستعاد السيطرة على الداخل،

فلن يمنحك الخارج أمانًا حقيقيًا.

الويل كحالة نفسية

هو الإنذار الأول.

العلامة التي تسبق الانهيارات الكبرى.

المرحلة التي يُختبر فيها الإنسان

قبل أن يُختبر العالم من حوله.

من يفهم هذه المرحلة،

ويتعامل معها بوعي،

قد ينجو وإن اشتد الويل.

ومن يتجاهلها،

سيصل إلى لحظة لا يعود فيها السؤال:

 

كيف ننجو؟

بل: كيف وصلنا إلى هنا؟

 

رسالة الجزء

الويل لا يبدأ حين ينهار العالم،

بل حين تتوقف النفس عن الفهم

وتكتفي بالتحمّل.

ومن لا ينتبه لانكساره الداخلي مبكرًا،

سيُفاجأ بانهياره الكامل

دون إنذار.

 

#هاني_الميهى

#وَنَفْسٍوَمَاسَوَّاهَا