اسم الكتاب:
شرّ الطريق
اسم الكاتب:
هاني الميهى
عنوان الفصل: الأول
حين نستعيذ من الطريق… لا من الوصول
أحيانًا أقف أمام نفسي، أتأمل خطواتي اليومية، وأسأل: أي طريق أسلك اليوم؟
هل هو الطريق الذي يقودني إلى ما أريد حقًا، أم الطريق الذي يبدو آمنًا لكنه يسرق شيئًا من روحي؟
«اللهم احفظنا شرّ الطريق»، كان هذا الدعاء يرن في قلبي منذ أن عرفته، لكن مع الأيام، بدأت أفهم عمقه… لم يكن مجرد كلمات تُقال، بل كان خريطة حياة كاملة، تحذرني من كل خطوة قبل أن أخطئ.
أول ما بدأت أعيش بتأمل هذا الدعاء، لاحظت أن الطريق ليس فقط مكانًا أقطع فيه المسافة،
ولا نهاية أطمح للوصول إليها…
إنه مسار داخلي، رحلة قلبية يومية، حيث كل قرار صغير، كل كلمة، كل صمت، كل ابتسامة، كل غضب، كل عاطفة، يمكن أن يكون جزءًا من الطريق أو مظهرًا من شرّه.
أتذكر يومًا كنت أمشي في شارع مزدحم…
الناس تتدافع، السيارات تصرخ بأبواقها، الأصوات تتداخل، والأفكار تتقاذفني بين الماضي والمستقبل، بينما أنا أحاول فقط أن أحتفظ بالهدوء في قلبي.
في تلك اللحظة شعرت بالواقع أمامي: الشارع نفسه ليس الطريق فقط، بل كل ما نختاره داخله.
كل تصرف، كل خطوة، كل كلمة تقولها لنفسك أو للآخرين… جزء من الطريق.
إذا لم تراقب نفسك، ستجد أن الطريق يسرق منك شيئًا صغيرًا كل يوم… شيء قد لا تشعر به إلا بعد سنوات.
وهنا، بدأت أفهم: شر الطريق ليس حادثًا واحدًا…
ليس سقوطًا مفاجئًا أو كارثة.
إنه انحراف تدريجي.
أحيانًا تبدأ خطوة صغيرة، تبدو طبيعية، بلا ضرر.
لكنها تتكرر… وتصبح عادة.
ثم تعتاد عليها النفس، حتى يأتي يوم تجد نفسك على طريق لم تعد تعرفه، ولم تعد تعرف نفسك فيه.
أذكر موقفًا آخر… في عملي، كنت أتعامل مع موظف جديد، وكان يحمل في قلبه صدقًا، لكنه لم يكن واعيًا بعد لمخاطر الطريق.
لاحظت أنه يكرر خطأ صغيرًا في كل مهمة: يترك التفاصيل، يماطل في القرارات، يبرر لنفسه القصور…
لم أعاتبه مباشرة، لكنني شعرت بخطر الطريق الذي يسلكه…
قلت لنفسي: «إن هذا الدرس للكل… الطريق الذي يبدو بسيطًا، يمكن أن يكون أكثر الطرق خطورة».
ومن هنا فهمت أن الدعاء الذي نتعلمه، «اللهم احفظنا شرّ الطريق»، ليس حماية من المصائب الكبرى،
بل من كل خطوة صغيرة تضيع فيها مراقبتنا وقيمنا، كل عادة تسرق من ضميرنا شيئًا صغيرًا في كل يوم.
في البيت أيضًا، مع الأسرة، تعلمت أن الطريق موجود في كل كلمة…
حتى في الصمت.
أحيانًا يكون السكوت مؤقتًا مريحًا، لكنه يترك أثرًا تدريجيًا، يملأ الجو بهدوء مضلل.
أحيانا أتساءل: هل الطريق الذي أسلكه مع أحبتي يحمي قلوبهم أم يضعفها؟
هل أراقب نفسي بما يكفي لأحمي العلاقة من الاعتياد السلبي؟
وهنا، الدعاء يتحول من كلمات إلى ممارسة يومية لمراقبة النفس،
والتأكد أن كل خطوة، كل كلمة، كل موقف، يسلك الطريق الصحيح، لا الطريق الذي يبدو سهلًا لكنه سام.
في اليوميات الصغيرة، الطريق يظهر في التفاصيل:
قرار صغير تختاره بلا تفكير
كلمة تُقال بلا وعي
عادة تكررها بلا مراجعة
غضب تتجاهله لأنه “صغير”
كل هذه التفاصيل جزء من الطريق.
أحيانًا نعتقد أن طريقنا آمن…
لكن مع كل تكرار، كل إهمال، كل غفلة، يصبح الطريق مسارًا للشر الخفي، الذي لا يُرى إلا بعد أن يسيطر على القلب والعقل.
أتذكر مرة كنت أقود السيارة في طريق طويل…
الليل يسقط بسرعة، الطرق مظلمة، لكن الطريق أمامي يبدو واضحًا…
وفجأة شعرت بالتيه، ليس في المكان، بل في أفكاري، في تركيزي، في مراقبتي لنفسي.
هنا فهمت: الطريق المادي قد يكون مستقيمًا، لكن الطريق الروحي… هو الذي يحتاج الحماية دائمًا.
دعاء النبي ﷺ لا يحميك من حادث الطريق فقط،
بل من الطريق نفسه… من التشتت، من الاعتياد، من الغفلة، من كل ما يغيرك تدريجيًا دون أن تشعر.
في كل يوم، هناك لحظات اختبار صغيرة:
تعامل مع زميل صعب
كلمة جارحة تُقال
صمت أمام خطأ
ترك مهمة صغيرة بلا اهتمام
هذه هي خطوات الطريق التي تصنع الشر دون أن نحس.
كل قرار صغير، كل لحظة غفلة، كل خطوة مكررة… جزء من الطريق الذي يجب أن نحمي أنفسنا منه.
الوعي هنا ليس اختيارًا… بل ضرورة.
أن نسأل أنفسنا يوميًا:
هل هذه الخطوة تقوي الطريق أم تُضعفه؟
هل هذه الكلمة تزيد النور أم تقلله؟
هل هذا الصمت حماية أم تهديم تدريجي للقيم؟
وهنا يظهر الفرق بين مجرد الدعاء وفعله.
الدعاء هو الحراسة المستمرة،
والتطبيق اليومي للوعي هو تنفيذ الحراسة.
إذا لم نراقب الخطوات، لن تحمينا كلمات الدعاء وحدها.
الطريق في الحياة، في العمل، في الأسرة، في المجتمع، وفي العلاقات،
هو مسار مستمر من القرارات الصغيرة والخيارات اليومية.
وكل خطوة يجب أن تُقاس ليس بما تفعله الآن،
بل بما تتركه من أثر على نفسك ومن حولك بعد سنوات.
دعاء النبي ﷺ يعلّمنا أن البداية الواعية أهم من النهاية.
أن نبدأ كل يوم بمراجعة الطريق،
أن نراقب خطواتنا،
أن نعيد النظر في العادات، الكلمات، الصمت، القرارات، المواقف.
إنه فصل عن الحذر اليومي، عن مراقبة النفس قبل أن يتأثر الطريق تدريجيًا، عن الانحراف البطيء، عن الاعتياد الذي يسرق القلب بدون أن نحس.
إنه فصل عن كيف يكون الدعاء أداة حماية عملية وليست مجرد كلمات تُقال.
خاتمة الفصل
كل خطوة تحمل اختيارًا…
أن تراقب، أن تصحح، أن تحمي، أن تحافظ على النية صافية.
دعاء النبي ﷺ يعلمنا أن البداية الواعية أهم من الوصول،
وأن حماية المسار هي حماية للقلب والروح قبل أي شيء.
#شرالطريق
#هانيالميهى






المزيد
اصمد يا قلبي فهذا ليس مكانك بقلم سها مراد
كُـن أنـت بقلم فاطمة فتح الرحمن أحمد
للظـلام عـيون فاطمة فتح الرحمن أحمد