مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

قراءة نقدية في كتاب مفهوم الرواية: الانعكاس – البنيوية – التفكيك للدكتور صلاح السروي

بقلم: ناهد سلامة

تتأسس هذه القراءة على أربعة محاور رئيسة: بنية العنوان، المادة العلمية التي اعتمدها المؤلف، بنية الكتاب وفصوله، ثم تقديم رؤية متكاملة حوله.

أولاً: بنية العنوان ودلالاته
يحمل عنوان الكتاب (مفهوم الرواية: الانعكاس – البنيوية – التفكيك) دلالات فكرية ونقدية عميقة؛ إذ يشير إلى مسار تطوري في النظرية الأدبية الحديثة، من الواقعية/الانعكاس، إلى البنيوية، وصولاً إلى التفكيك. فالسروي لا يكتفي بدراسة الرواية كنصوص إبداعية، بل يسعى إلى مساءلة مفهومها ذاته: ما هي الرواية؟ كيف تتشكل؟ وكيف تُقرأ وتُحلَّل؟ وهو بهذا يقدّم عملاً أقرب إلى التأصيل النظري للرواية.
يمثل الانعكاس البعد الواقعي/الماركسي الذي يعدّ الرواية مرآة للواقع الاجتماعي والتاريخي، بينما تنظر البنيوية إليها كنظام لغوي مستقل تُحلَّل بنياته الداخلية بعيدًا عن السياقات الخارجية. أما التفكيكية فترى النص كيانًا متشظيًا غير مكتمل الدلالة، تُقارب معناه بوصفه متأجلاً ومفتوحًا على قراءات لا نهائية. ومن ثمّ يصبح العنوان نفسه بمثابة خريطة فكرية للمسار النقدي الذي يتبناه المؤلف.
ثانياً: المادة العلمية
استقى السروي مادته من مراجع عربية وأجنبية أساسية؛ فاعتمد في الاتجاه الواقعي على جورج لوكاش (الواقعية الأوروبية)، وفي البنيوية على رولان بارت (مدخل إلى التحليل البنيوي) وصلاح فضل (النظرية البنائية في النقد الأدبي)، إضافة إلى عبد المنعم تليمة (مقدمة في نظرية الأدب). أما في التفكيك فاستند إلى جاك دريدا (الكتابة والاختلاف، أطياف ماركس)، وإيهاب حسن (تحولات الخطاب النقدي). كما أحال إلى أسماء أخرى بارزة مثل غريماس، تيري إيجلتون، كارل ماركس، لوسيان جولدمان، وروجيه جارودي، فضلاً عن نقاد عرب كجابر عصفور وسعيد يقطين. هذا التنوع المرجعي منح الكتاب عمقًا معرفيًا، وجعله حلقة وصل بين النقد الغربي والممارسة النقدية العربية.
يتآلف كتاب مفهوم الرواية( الانعكاس-البنيوية-التفكيك) من مقدمة ومدخل وثلاثة فصول وخاتمة وفهرس، وثبت للمادة العلمية التي اعتمدها المؤلف في كتابه..
المقدمة وفيها عرض يسير لما يحتويه الكتاب بين دفتيه، فالمدخل في هذا الكتاب بمثابة “فرشة تأسيسية” – هكذا أحب تسميته- يُمهّد بها الناقد لما سيبنيه لاحقًا، مما منحني كمتلقي القدرة على تتبع الحجج والقراءات بشكل أوضح، وهو يعد علامة مائزة في مؤلفات السروي جميعها يبدأ كتابه بمدخل يعرض فيه الخلفيات المفهومية والنظرية التي ينطلق منها، والاتجاهات التي يريد أن يؤصل لها أي إن كانت، وذلك من خلال تأطير المصطلحات التي سيستخدمها في التحليل، مما يسهم في تعزيز فهم ما يود إيصاله، وظهر ذلك جليًا من خلال الاتجاهات الثلاث التي يعرض لها، فيعرض في المدخل إلى المنطلقات الفكرية للاتجاه الاجتماعي، و الاتجاه البنيوي ، ومفهوم الأدب والنظرة للأدب وعبارة موت المؤلف التي جاءت عند البنيويين، وأخيرا المنطلقات الفكرية للتفكيكية
أما عن ما تضمنه الكتاب فقد جاء الفصل الاول عن مفهوم الرواية ، والفصل الثاني عن الشخصية الروائية، والفصل الثالث عن السرد الروائي
فالناقد في هذه الفصول الثلاث يسير بشكل أفقي وفق الخارطة التي رسمها من بداية العنوان، ففي كل اتجاه من هؤلاء الاتجاهات الثلاثة ( الاجتماعي – البنيوي – التفكيكي ) يناقش فيها الناقد السروي مفهوم الرواية، والشخصية الروائية وأساليب السرد الروائي.. وفيما يلي عرض سريع لجزئيات المتاب
(١)
إن الاتجاه الاجتماعي يتعامل مع الرواية باعتبارها مرآة للمجتمع وأداة لفهم بنية العلاقات الاجتماعية، مع التأكيد على التفاعل بين البنية الفنية للعمل والأوضاع الاجتماعية التي وُلد فيها.
يُعد الرواية كنتاج للبيئة الاجتماعية.. حديث نظر إلى الرواية باعتبارها وليدة واقعها؛ فهي تُعبّر عن قيم المجتمع، وأزماته، وأحلامه، وتكشف عن تناقضاته، وكذلك تصوير الطبقات والصراع الاجتماعي، فالاتجاه الاجتماعي يركّز على تصوير حياة الطبقات المهمشة والبرجوازية والعمالية والفلاحية، وتوضيح علاقات السلطة والهيمنة، كما أن الرواية ليست محايدة، بل تؤدي دورًا نقديًا في كشف الخلل الاجتماعي، وقد تدعو للتغيير وعلى حسب ما أورد السروي في كتابه فابرز ممثلي هذا الاتجاه هو جورج لوكاش في تنظيره لـ الرواية الواقعية كأعلى أشكال التعبير عن الصراع الاجتماعي.
يختلف فهم البنيويين لعلاقة الرواية بالتاريخ عن الاتجاه الاجتماعي ؛ حيث يرون أن الرواية ليست انعكاسًا مباشرًا للتحولات التاريخية والاجتماعية، بل هي بنية مستقلة لها قوانينها الداخلية، رغم تأثرها بالسياق التاريخي. فالرواية عندهم تقوم على “الخطوط الدالة” التي تعبّر عن الواقع بطريقة رمزية أو تركيبية، لا عن طريق محاكاة مباشرة. كما يؤكدون أن الرواية جهاز فني يُعيد تشكيل عناصر الواقع، ويكسر النظام الجاهز لإنتاج دلالات جديدة؛ فالرواية لا تنقل الواقع نقلاً مباشراً، بل تعيد إنتاجه وتمثيله عبر بناء فني يدمج بين التاريخ والخيال.
فيذكر الناقد أن كريستيفا تركز على أن الرواية هي عملية تحويل للنصوص (intertextuality) وليست محاكاة مباشرة للواقع.
يتم التعامل مع النصوص الروائية من خلال تحليل بنيتها اللغوية وأسلوبها الخاص، مع ربطها بالواقع عبر ما يسمى بـ “الأيديولوجيم” (ideologeme) الذي يعكس الموقف الفكري والاجتماعي للنص، بينما التفكيكية لا تنظر إلى النص بوصفه كيانًا مغلقًا أو مكتمل المعنى، بل تعتبره فضاءً مفتوحًا للتعدد والتأويل اللامتناهي، تعتمد على فكرة الاختلاف؛ أي أن المعنى يتأجل دائمًا ولا يُمسك به في صورة نهائية.
النصوص عند التفكيكيين ليست مرآة لواقع أو تعبيرًا عن قصد المؤلف، بل شبكة من العلامات تتقاطع فيها لغات وثقافات وخطابات متعددة.
ففي النقد التقليدي، السرد كان محصورًا في الحكاية الأدبية (رواية، قصة، ملحمة…) مع البنيوية ظهر السرد كـ بنية يمكن تحليلها عبر وظائف وأدوار (بروب، غريماس، جنيت).
أما مع التفكيكية، فإن السرد لم يعد يُنظر إليه كبنية ثابتة، بل كـ عملية إنتاج مستمرة للمعنى.
السرد ليس حكائيًا فقط: يمكن أن يوجد في الخطاب الفلسفي، النقدي، التاريخي، الإعلامي… أي أن كل خطاب يتضمن سردية.
انفتاح النصوص: لم يعد السرد يُفهم من داخل وحداته فقط، بل من خلال التفاعلات بين النصوص (التناص) والقراءات المتعددة.
تفكيك المركزية: لم يعد السرد قائمًا على مركز واضح (مؤلف، حبكة، حدث رئيسي)، بل يتوزع على هوامش وفراغات وتعدد أصوات.
(٢)
يعالج الناقد السروي في الفصل الثاني الشخصية الروائية أولا في أبعادها المختلفة: الاجتماعي، الفلسفي، الفني، والنمطي، ليؤكد أن الشخصية ليست مجرد أداة للسرد، بل هي كيان جدلي يجمع بين التفرد والنموذج، بين الذات والموضوع، بين الوعي الفردي والأطر الأيديولوجية. ومن ثم، تصبح دراسة الشخصية مدخلًا لفهم الرواية بوصفها خطابًا إنسانيًا واجتماعيًا وفكريًا متكاملاً.. فموضوع الشخصية الروائية أحد المرتكزات الجوهرية في دراسة السرد، إذ تُعَدّ الشخصية وعاءً للأفكار، ومرآةً للواقع الاجتماعي، وأداةً للكشف عن صراعات الذات والموضوع وقد عالج هذا المحور في مستويات متعددة …
يربط المؤلف الشخصية بمفاهيم فلسفية (الوعي، الأيديولوجيا، النظرة إلى العالم) وبمفاهيم سوسيولوجية (النمط، الإمكانات الاجتماعية، الاتجاه الواقعي) فهو يجعل من الشخصية محورًا لفهم الرواية فهي ليست مجرد عنصر بنائي، بل حامل أساسي للرؤية الفكرية والسردية، ومن خلالها تتضح علاقة الرواية بالواقع والتاريخ والمجتمع.
عند البنيويين تُفهم الشخصية الروائية لا باعتبارها كيانًا نفسيًا أو اجتماعيًا، وإنما باعتبارها فاعلاً وظيفيًا في بنية النص. فالفاعل عندهم ليس شخصًا من لحم ودم، بل هو موقع في شبكة العلاقات السردية، يتحدد دوره من خلال ما يقوم به من وظائف. ومن هنا أعاد جريماس صياغة الشخصية داخل إطار بنية الفواعل، فميز ست وظائف كبرى (الذات، الموضوع، المرسل، المرسل إليه، المساعد، المعارض)، تُغطي كل الإمكانات الأساسية للحكاية وتُظهر منطقها الداخلي.
هذا النموذج لقي تأييدًا من بعض النقاد، حيث رأى جوناثان كوللر أن إسهام جريماس أساسي لأنه مكَّن النقد البنيوي من تجاوز النظرة الفردية للشخصيات نحو رؤية مجردة تكشف عن “القواعد العميقة” التي تنظم الحكاية، مؤكّدًا أن هذه البنية تمثل أداة تفسيرية قادرة على استيعاب النصوص المختلفة، في المقابل، وجه إليه تودوروف نقدًا، معتبرًا أن نموذج الفواعل شديد التجريد، يختزل الشخصيات إلى مجرد وظائف شكلية ويغفل بعدها الإنساني والنفسي، كما أنه يفتقر إلى المرونة الكافية لتطبيقه على جميع النصوص السردية، مما يحدّ من فاعليته التفسيرية.
وبين التأييد والنقد، ظل إسهام جريماس علامة فارقة في البنيوية السردية، حيث رسّخ المنهجية الصارمة في تحليل النصوص، لكنه في الوقت نفسه أثار نقاشًا واسعًا حول حدود التجريد ومدى قدرة النموذج على استيعاب خصوصية العمل الأدبي.
يرى التفكيكيون أن الشخصية الروائية لا تمثل ذاتًا موحَّدة أو كيانًا متماسكًا كما كانت تُصوَّر في النقد التقليدي أو الواقعي. فإن التفكيك ينطلق من رفض فكرة “المركز” أو “الأصل”، وبالتالي فإن الذات داخل النص الروائي تتوزع بين الأصوات، الخطابات، والسياقات النصية، فلا وجود لشخصية ثابتة أو متجانسة.
التفكيكيون، متأثرين بجاك دريدا، يعتبرون أن معنى الشخصية ليس نهائيًا، بل يتأجل دومًا عبر ما سماه دريدا بـ الاختلاف/الإرجاء، أي أن الشخصية لا تُقرأ في كيانها الفردي، بل في شبكة العلاقات النصية التي تحيط بها.
بذلك تُصبح الشخصية بناءً لغويًا متشظيًا، تتعدد فيه الأقنعة والتمثلات، فلا نستطيع الحديث عن جوهر ثابت للشخصية.
إذا كان النقد الكلاسيكي يرى الهوية مستقرة، فإن التفكيكيين يرون أن هوية الذات في النص مفككة، تقوم على التعدد والاختلاف والتأويل اللامتناهي الهوية ليست معطى جاهزًا، بل هي نصّية/خطابية؛ بمعنى أنها تتشكل عبر اللغة وعلاقاتها بالآخرين، فهي دائمًا في حالة انزياح وتحوّل، وهذا يجعل الشخصية الروائية – وفق التفكيك – فضاءً للحوارية، وموضعًا لصراع الخطابات، وليست “صوتًا فرديًا” واحدًا.
وبهذا ينتقل فهم الشخصية من كونها “مرآة للواقع أو الذات الإنسانية” إلى كونها بنية نصية مفتوحة، لا تُستنفد دلالتها.
(٣)
يطرح الناقد السروي في الفصل الثالث معالجة منهجية لأساليب السرد الروائي من خلال تقسيمه إلى محاور أساسية تتعلق بالاتجاهات التي اعتمادها وهي ( الاجتماعي – ا البنيوي- التفكيكي)
أولاً: الاتجاه الاجتماعي
فيتحدث السروي هنا عن دور الرواية في التعبير عن الواقع الاجتماعي، حيث تتجاوز الرواية حدود الحكاية الفردية لتصبح مرآة تعكس مشكلات المجتمع وقضاياه.
ثانياً: آلية التجريد
هنا يتم التوقف عند البعد الفني الذي يتيح للروائي القدرة على انتزاع الدلالة من التفاصيل الجزئية وتحويلها إلى رموز ومعانٍ عامة تتجاوز حدود الواقعة الفردية إلى أفق إنساني أوسع.
ثالثاً: المنظور (Perspective)
وهو المدخل النظري الذي يُمكّن الروائي من تحديد موقعه من السرد وطريقة تقديم الأحداث والشخصيات. وقد حددها بأربعة اتجاهات بارزة:
1. الاتجاه الطليعي الذي تميز بالرغبة في كسر المألوف والخروج عن النماذج الكلاسيكية السائد، والتمرد على القواعد التقليدية للفن والأدب، الميل إلى التجريب والتجديد في الأشكال والأساليب، النزعة الثورية المرتبطة بالحركات الاجتماعية والسياسية، وتقديم رؤية جمالية جديدة تسعى إلى إحداث صدمة أو إثارة وعي القارئ/المتلقي.
2. الاتجاه الطبيعي: الذي يسعى إلى محاكاة الطبيعة والواقع كما هو، دون تدخل كبير من الكاتب.
فالاتجاه الطليعي: ثوري، تجريبي، يكسر القواعد ويبحث عن الجديد، أما الطبيعي وصفي، واقعي متشدد، يحاكي الواقع العلمي والاجتماعي ويخضعه لقوانين الحتمية.
3. الواقعية النقدية: التي تحاول كشف التناقضات البنيوية في المجتمع عبر السرد.
4. الواقعية الاشتراكية: التي ترتبط بالبعد الأيديولوجي والسياسي، حيث تتحول الرواية إلى أداة لطرح رؤية اشتراكية للعالم.
ينتقل الناقد بعد ذلك إلى مقاربة بنيوية لأساليب السرد، إذ يركز على مفهوم وجهة النظر، باعتبارها أداة أساسية في بناء النص السردي وتحديد طبيعة العلاقة بين السارد والأحداث والشخصيات. وتُقسم وجهات النظر إلى ثلاثة أنماط:
1. الرؤية من الخلف: حيث يكون السارد عليماً بكل شيء، يعرف دواخل الشخصيات وأحداث الماضي والمستقبل.
2. الرؤية المصاحبة: وفيها يكون السارد محايداً نسبياً، ينقل الأحداث كما تراها الشخصيات من داخلها دون امتلاك معرفة مطلقة.
3. الرؤية من الخارج: حيث يقتصر السارد على ما يمكن ملاحظته من الخارج، فلا يدخل إلى أعماق الشخصيات بل يصف أفعالها وأقوالها فقط. ومن ثمّ ينتقل الناقد السروي الحديث عن أساليب السرد الروائي عند التفكيكيين وذلك من خلال:-
أولا: آليات الكتابة
1- «ما وراء القص» و«المحاكاة الساخرة»
ما وراء القص (Metafiction): هو أحد أبرز أساليب التفكيكيين في السرد، حيث تتحول الرواية إلى خطاب يفضح آلياته الداخلية، ويكشف عن تواطؤه مع اللغة بوصفها نظامًا اعتباطيًا لا يحمل حقيقة ثابتة. بهذا المعنى، تصبح الرواية تفكيكًا لذاتها عبر وعيها بالكتابة ذاتها.
المحاكاة الساخرة (Parody): يتخذها السرد التفكيكي وسيلة لإعادة كتابة النصوص السابقة بنبرة تهكمية، تُفقدها سلطتها المرجعية وتحوّلها إلى لعب لغوي يكشف عن هشاشة البنى السردية التقليدية.
2- ما وراء القص التاريخي
يجمع بين السرد الروائي والتاريخي معًا، لكن بطريقة تُفكك سرديات التاريخ الكبرى، لتُظهر أن التاريخ نفسه ليس إلا خطابًا قابلاً للتأويل مثل الأدب. الرواية هنا لا تسرد أحداثًا تاريخية بقدر ما تسائل شرعية التمثيل التاريخي نفسه.
3- الحكاية اللازمنية
يتحدث عن الحماية اللازمنية بأنها تعتمد على كسر التتابع الزمني، وإلغاء مركزية البداية والنهاية، مما يفضي إلى تفكك وحدة الزمن التقليدي. هذا الأسلوب يُعبر عن جوهر التفكيك القائل بتعدد القراءات واستحالة الإمساك بحقيقة سردية نهائية.
ثانيا: السارد المتطفل
يظهر السارد في النص ليُعلّق، أو يُفسد وهم التخييل، أو يوجه القارئ. التفكيكيون يرون في هذا التدخل هدمًا للحياد المفترض للسارد التقليدي، وإثباتًا أن السرد هو بناء اصطناعي لا يُخفي طبيعته الخطابية.
ثالثا: الانعكاس الذاتي
هو وعي النص بذاته وبأنه نص، فيشير السارد أو الشخصيات إلى الكتابة نفسها أو إلى فعل السرد. هنا تتجسد فكرة انعدام المرجع النهائي التي طرحها دريدا، فالنص لا يحيل إلا إلى نصوص أخرى، في سلسلة إحالات لا نهائية.
رابعا: الشبحية (Spectrality)
مفهوم مستلهم من «جاك دريدا» في كتابه أطياف ماركس. في السرد، تعني حضور الغياب: شخصيات تظهر كأطياف، وأحداث تستدعي الماضي بوصفه شبحًا غير مكتمل. هذا يعكس تفكيك الحدود بين الحضور والغياب، الحقيقة والوهم، في البناء الروائي.
خامسا: القناع
يُستخدم لإخفاء الهوية الحقيقية للشخصيات أو السارد، أو لتعدد الأصوات داخل النص. القناع عند التفكيكيين ليس مجرد وسيلة فنية، بل هو إعلان عن غياب هوية ثابتة، وانفتاح الذات على التعدد والتشظي.
سادسا: آلية المرايا
تقوم على مضاعفة الصور، حيث تعكس الشخصية أو الحدث ذاته أو غيره في صورة أخرى، مما ينتج سلسلة من الانعكاسات اللانهائية. هذه التقنية تُبرز فكرة الاختلاف (Différance) الدريدية: لا يوجد معنى أصلي بل هو يتأجل ويتغير مع كل انعكاس جديد.

فيجمع الناقد السروي في هذا الفصل الثالث بين التحليل الاجتماعي الذي يُبرز الوظيفة الفكرية للرواية، والتحليل البنيوي الذي يركز على تقنيات السرد وطرائق تنظيمه، وأساليب السرد الروائي عند التفكيكيين التي تسعى إلى تفكيك المركزيات (التاريخ، الهوية، السارد، الزمن) وتحويل النص إلى فضاء مفتوح من اللعب اللغوي، حيث يغدو المعنى مؤجلًا ومفككًا على الدوام.. بما يحقق رؤية شاملة للأسلوب الروائي تجمع بين الخارج (المجتمع) والداخل (البنية النصية)، و ( الفضاء المفتوح)

وفي الختام تخلص هذه القراءة إلى أنّ الكتاب ينتهج مقاربة نقدية مقارنة، تستهدف إضاءة المناهج الثلاثة الكبرى في دراسة الرواية: (الاجتماعي، والبنيوي، والتفكيكي). وقد حرص المؤلف على إبراز التداخلات الممكنة بين هذه المناهج من جهة، وكشف ما يعتريها من تناقضات من جهة أخرى، بما يمنح القارئ أفقًا أوسع في الوعي النقدي. فالكتاب لا يقف عند حدود عرض المبادئ أو المقولات المركزية لكل اتجاه، بل يسعى إلى تتبع السياقات الفكرية والمعرفية التي انبثقت منها هذه المناهج، ويعيد وصلها بالمفاهيم المؤسسة لكل منها، ليكوّن لدى الدارس صورة أكثر تكاملاً ووضوحًا عن العناصر المكوِّنة للعمل الروائي.
لقد وزّع المؤلف هذا الجهد على ثلاثة محاور أساسية جاءت في فصول الكتاب هكذا : (مفهوم الرواية، الشخصية الروائية، وأساليب السرد الروائي)؛ حيث تناول كل محور من هذه المحاور من خلال منظور متعدد، يوازن بين حضور الواقع الاجتماعي، وبين البنية الداخلية للنص ولغته، وبين آليات التفكيك التي تعيد النظر في المعنى وتكشف عن تناقضاته. وبهذا المعنى فإن الكتاب لا يقدّم مجرد قراءة تطبيقية أو عرضًا تاريخيًا للمناهج، بل يُرسّخ لبنة أساسية في سبيل بناء وعي نقدي متكامل، يستطيع الباحث أن ينطلق منه لقراءة أي عمل روائي وفق أحد هذه الاتجاهات أو من خلال المزاوجة بينها، ومن ثم يمكن القول إن قيمة الكتاب تكمن في طابعه التأسيسي، إذ يمنح الباحث أدوات نظرية ومنهجية رصينة، تتيح له استكشاف النص الروائي على مستويات متعددة: اجتماعية وثقافية، لغوية وبنيوية، وتأويلية تفكيكية. وهو بذلك يشكل مرجعًا لا غنى عنه لكل من يسعى إلى الإحاطة بالقراءات النقدية الحديثة للرواية وفهم جدليتها المستمرة بين الواقع والبنية والمعنى.
ولا يفوتني في الختام إلى أن أُشير وأُجِيب على ما طرحه علي كتاب «مفهوم الرواية: الانعكاس، البنيوية، التفكيك» للدكتور صلاح السروي، بعد الفراغ من قراءته، ذلك هو السؤال الذي يتعلق بطبيعة إسهام الكتاب في حقل الدراسات الأدبية والنقدية: هل يندرج الكتاب ضمن أحد الاتجاهات النقدية التي يعرض لها — الاجتماعي، أو البنيوي، أو التفكيكي — بوصفه تطبيقًا أو تمثيلًا لأحدها في قراءة مفهوم الرواية؟ أم أنه يتجاوز مجرد العرض أو الانتماء ليؤسس أفقًا نظريًا خاصًا في مقاربة هذا المفهوم؟
فالمعروف أن الحديث عن هذه الاتجاهات الثلاثة حديثٌ واسع الانتشار في الدرس النقدي المعاصر؛ إذ امتلأت بها الكتب والدراسات، عرضًا وتحليلًا وتطبيقًا، حتى غدا تناولها في حد ذاته أمرًا لا ينطوي — من حيث المبدأ — على جدة تُذكر ما لم يقترن برؤية مغايرة أو معالجة نوعية. غير أن ما يميز عمل السروي لا يتمثل في مجرد إعادة تقديم هذه الاتجاهات أو تلخيص أطروحاتها، بل في كيفية توظيفها لإعادة مساءلة مفهوم الرواية ذاته، وفي الطريقة التي يعيد بها ترتيب العلاقة بين النظرية والتطبيق داخل الحقل الروائي.
ذلك أن السروي لا يتعامل مع الاتجاه الاجتماعي أو البنيوي أو التفكيكي بوصفها قوالب جاهزة تُسقَط على النص الروائي، ولا باعتبارها مدارس مكتملة مغلقة، بل بوصفها أطرًا إجرائية ومداخل إبستمولوجية تُسهم في تفكيك مفهوم الرواية وكشف تحولاته التاريخية والمعرفية. ومن هنا تتجلى إضافته النوعية؛ إذ ينتقل من مستوى العرض النظري إلى مستوى إعادة بناء المفهوم في ضوء هذه الاتجاهات، بحيث تغدو الرواية مجالًا لتفاعل الرؤى النقدية لا مجرد موضوع لتطبيقها.
إن جدة الكتاب، إذن، لا تكمن في اختيار الاتجاهات المدروسة، بل في زاوية النظر التي يعتمدها المؤلف، وفي سعيه إلى بلورة تصور مركب لمفهوم الرواية من خلال الحوار بين هذه المرجعيات المختلفة. وبهذا المعنى يمكن القول إن السروي لا ينتمي انتماءً حصرًا إلى أحد هذه الاتجاهات، بقدر ما يمارس فعلًا نقديًا تركيبيًا يستثمرها جميعًا لإعادة التفكير في ماهية الرواية وحدودها ووظيفتها.
وعليه، فإن إسهام الكتاب في الدراسات الأدبية والنقدية يتمثل في إرساء مقاربة منهجية تعيد مساءلة المفهوم بدل الاكتفاء بتكرار التصنيفات، وفي تحويل الاتجاهات النقدية من موضوعات للعرض إلى أدوات لإنتاج معرفة جديدة بالرواية.