مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

في هذا اللقاء الأدبي، تفتح الكاتبة أميرة أبو القاسم نافذة على تجربة سردية مشبعة بالصدق والوجع الإنساني، تجربة اختارت أن تكتب من مناطق الظل لا هروبًا من الضوء، بل بحثًا عن معنى أعمق له. نقترب من الكاتبة لنحاورها حول روايتها «كيرا»، حيث تتقاطع التجربة الذاتية مع الرمز، ويتحوّل الألم إلى لغة، والظلام إلى سؤال مفتوح على احتمالات متعددة

المحرر: أحمد صلاح

 

■ في البداية، أود أن أعلمك أنه حين قرأت بعض الأفكار التي حاولت روايتك التغلغل فيها، شعرت برعدة في جسدي، لا خوفًا، بل دهشةً؛ إذ أصابتني الفكرة ببعض الدوار العقلي. كيف تفسّرين ذلك؟

— أظن أن السبب هو صدقها؛ فقد كُتبت وسط زحام كثيف من المشاعر، دون تزييف أو محاولة تجميل. كانت ألمًا خالصًا، ولهذا أحدثت ذلك الأثر.

 

■ هل أفهم من هذه الإجابة أن المشاعر التي كُتبت منها الرواية كانت نابعة، ولو جزئيًا، من تجربة حقيقية؟

— ليست جميعها، ولكن ما أعرفه أن «كيرا» كان حقيقيًا في داخلي.

 

■ ولماذا اخترتِ اسم «كيرا» تحديدًا لهذه الشخصية؟

— لأنني ظننته سيكون نورًا يبدد ظلمة قلبي إن اتبعته، لكنه كان يسحبني أكثر إلى الظلام في داخلي.

 

■ وهل نجوتِ من هذه الرحلة؟ أم ما زلتِ عالقة في طرقها المظلمة؟

— لقد اعتدتُ الظلام حتى بات أنيس حياتي؛ لم يعد يخيفني، بل أصبح ملاذي من ضجيج العالم. غير أن بعض الجروح لا تزول، بل تتحول إلى ندوب تبقى معنا حتى الموت.

 

■ هل أصبح الظلام حقًا ملاذك، أم وجدت فيه إلهامًا، وفي الندوب أفكارًا؟

— كلاهما. فالظلام هو المكان الوحيد الذي لا يصل إليك فيه أحد. لست من النوع الذي يثرثر كثيرًا؛ وربما كنت كذلك في وقتٍ ما، لكن التجارب تغيّر الإنسان إلى شخص قد لا يعرفه. لم أكن سوداوية، بل كنت فراشة تحب الحياة، غير أن لا شيء يدوم على حاله. الظلام بالنسبة لي يعني الهدوء والسكينة، وهو حصني الذي لا يفكر أحد في اختراقه، ومن هذا الهدوء تولد أفكار غير متوقعة، وربما أسئلة بلا إجابات.

 

■ هل تتعارض الأفكار السوداوية التي تتردد في عقلك اليوم مع فكرة أن الإنسان، مهما مرّ به، قادر على تغيير شكل حياته؟

— لا، لا تتعارض. فالإنسان هو من يتحكم بأفكاره؛ إما أن يواجهها ويمنح كل فكرة حقها من التأمل والفهم، حتى إذا عادت في وقت آخر عرف كيف يتعامل معها. أو أن يقمعها ويظل يلوم نفسه عليها، فيتحول داخله إلى مقبرة للأفكار. وهكذا يحدد الإنسان نهج حياته: إما بسواد أفكاره، أو بإشراقتها.

 

■ إذًا، هل نتوقع خروج الفراشة من شرنقتها مرة أخرى قريبًا؟

— ربما، وربما لا.

 

■ متى بدأت كتابة «كيرا»؟ وكم استغرقت عملية الكتابة؟ وما المشاعر التي كانت تصارع قلبك وعقلك أثناء الكتابة؟

— بدأتُ كتابة «كيرا» في عام 2024، واستغرقت عملية الكتابة قرابة عامين. كانت ترافقني مشاعر متداخلة من الحزن واليأس والفشل، وزحام كثيف من الأحاسيس. لذلك ستجد أن كل شخصية في الرواية تحمل سمات تميزها عن الأخرى. ورغم التعب الذي كنت أعيشه أثناء الكتابة، فإنها كانت السبيل الوحيد الذي أنقذني من التلاشي.

 

■ هل تؤمنين بأن تفريغ المشاعر عبر الكتابة يمكن أن يكون في حد ذاته شكلًا من أشكال العلاج؟

— نعم، هو دواء يحتاجه الكثير من الناس. لكن الكتابة بالنسبة لي لم تكن مجرد علاج، بل كانت حياة كاملة.

 

■ وماذا تمثل لكِ القراءة؟

— القراءة هي ملاذي من ضجيج العالم؛ تنقلني إلى فضاء أقل صخبًا وأكثر اتزانًا، وهي صلتي بكل العصور ونافذتي الدائمة على تجارب البشر واختلافاتهم.

 

■ وما أهم ما قرأتِ من وجهة نظرك؟

— كتاب تقدير الذات.

 

■ كيف تصفين تجربتك مع دار نبض القمة؟

— تجربة جميلة ومميزة حقًا، تشعر فيها بالانتماء وكأنك بين عائلة واحدة. كما أن التعامل كان راقيًا جدًا، خصوصًا من الأستاذة يمني، التي لا تمل ولا تتضجر من أسئلتنا، وكل من تعاملت معه كان راقيًا.

 

■ ومن من شخصيات الرواية تصفين “أميرة أبو القاسم” تحديدًا؟

— لرينا.

 

■ ما أهم صفة لـ «لرينا» تطابق شخصيتي «أميرة أبو القاسم»؟

— رغم عنادها وكبريائها، إلا أن داخلها شيء رقيق، أبسط الكلمات تكسره.

 

■ هل الكلمة التي تكسر الإنسان يمكنها تغييره كليًا؟

— نعم، لأنه لن ينسي.

 

■ وهل يمكنه أيضًا تصحيح مساره؟

— نعم، يمكنه تصحيح مساره، إذا حمل ندبته في قلبه بلا حقد، فهي جزء من تجربته، وبعض التغيير يكون ضرورة لا مفر منها.

 

■ هل تعتقدين أن بيئة الكاتب تؤثر في كتاباته؟ وكيف أثرت بيئة «أميرة أبو القاسم» في تجربتها الأدبية؟

— نعم، تؤثر كثيرًا. أنا لست من عائلة ثرية، لكنني أنتمي إلى عائلة تساند بعضها بعضًا؛ عائلة تعلمنا أن تجارب اليوم هي قوتنا غدًا. تعلمت من حياتي أنه إن اضطرّني الأمر للغوص في المحيط، فعليّ أن أغوص، وأن أتعايش مع كل مكان أوجد فيه مهما كان مؤلمًا. الفرار ليس حلًا دائمًا. علّمني أبي أن أتحمّل مسؤولية نفسي، وأنه إن لم أجد أحدًا من أهلي، فلن أمد يدي للشارع. ومع ذلك، لم أتعلم يومًا كيف أبوح بما في داخلي لأحد، فانهمكت في الكتابة وكأنها رفيقتي التي لا تمل مني مهما أثقلت عليها. لا مكان للقسوة في عائلتنا؛ نحن جميعًا شيء واحد. لكنني كنت أخاف دائمًا أن أؤذي أحدًا بأفكاري، ولا سيما أن قلب أمي رقيق جدًا؛ فمهما كان الألم صغيرًا، كان يبدو في عينيها كبيرًا. وهكذا تعلمت الكتمان، لذا تجد كتاباتي تميل للطابع السوداوي دائمًا.

 

وبما أننا ذكرنا كلمة الخوف، فما أكثر شيء تخاف منه «أميرة أبو القاسم»؟

— أخاف أن أكتشف أنني أرقّ مما أتصوّر…

 

■ وماذا لو اكتشفت ذلك؟

— عندها سيسقط قناع الكبرياء الذي ارتديته طويلاً…

 

■ الحياة أبسط من أن نرتدي فيها الأقنعة؛ ماذا لو سقط القناع؟

— نعم، الحياة أبسط مما نتصور، إذا كان الواقع أمانًا. لكن التعري يعني الاستغلال. لو سقط، عندها سينهار كل حصن بنيته ليحميني من العالم.

 

■ هل تلاحظين أن كتاباتك تنزع عنك كل الأقنعة في الشخصيات التي تكتبيها؟

— لم يعد هناك “الجميع”، أصبحوا شخصًا أو اثنين فقط، وحتى هؤلاء لا يعرفون عني شيئًا مهما ظنّوا أنهم يعرفون. ربما تنزع الكتابة الأقنعة، لكن على القارئ أن يجمعها بنفسه، وأن يصلها بخيط رقيق، ليكتشفني.

 

■ ما رأيك في هذا الحوار؟ ومجلة إيفرست للأدب؟

— كان حوارًا رقيقًا ربما كشف أشياء لم أرغب بكشفها، ولكنني ممتنة لأنني استطعت أن أعبر عن بعض أفكاري. كما أن مجلة إيفرست تقدر العمق الأدبي والشفافية في الكتابة.

 

— أتقدم بخالص الشكر والامتنان للأستاذ وليد عاطف، مدير دار نبض القمة للنشر والتوزيع، ولكل طاقم العمل على دعمهم المستمر للمواهب الأدبية وإتاحة مساحات للحوار والإبداع.