مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

في زوايا الروح

كتبت: مريم جمال

—-

في المساء، عندما تتراجع ضوضاء العالم، وتتوارى الحروف خلف ستار الصمت، أجد نفسي جالسةً على حافة النافذة، أراقب القمر وهو ينسج خيوطًا من الفضة على صفحة الليل. في تلك اللحظات، تتسع الروح، وتصبح الذكريات مثل أمواج هادئة تلامس الشاطئ بخجل.

كم من شخص مرّ في حياتنا كضيف عابر، ثم تحول إلى جزء من ذاكرتنا، كصفحة من كتاب لا نمل من إعادة قراءته! أتذكر ذلك الصديق الذي ظننتُ أن لقاءنا صدفة، فإذا به يصير جسراً يعبر عليه قلبي كلما اشتدت العواصف. كم من الغرباء يحملون في جيوبهم قصصاً تشبهنا، ثم يتركونها بين أيدينا هدية قبل أن يرحلوا؟

لكن الحياة لا تمنحنا كل الأشخاص إلى الأبد. بعضهم يظلون كالنجوم، نراها من بعيد، ونعرف أنها مازالت تلمع، حتى لو لم نعد نستطيع لمس ضوئها.

في زحمة الحياة، ننسى أحياناً أن السعادة تكمن في التفاصيل الصامتة: رائحة القهوة في الصباح الباكر، صوت أمي وهي تنادي من الغرفة المجاورة، ضحكة طفل لا يعرف شيئاً عن الهموم. هذه الأشياء لا تُكتب في السير الذاتية، ولا تُذكر في خطب النجاح، لكنها هي التي تبني عالمنا الداخلي، وتجعلنا نشعر أننا أحياء.

أحياناً، تمر عليّ أيام أشعر فيها أن قلبي مثل غرفة فارغة، ثم فجأة، يأتي شيء صغير، ربما رسالة من صديق قديم، أو زهرة تنبت في مكان غير متوقع، فتمتلئ الغرفة بالنور من جديد.

نعيش في عالم يقدس القوة، حتى صرنا نخجل من دموعنا، وكأن البكاء عيب! لكني تعلمت أن هناك شجاعة في أن تقول: “أنا مؤلم”، شجاعة في أن تعترف أنك تحتاج إلى يد حانية. الهشاشة ليست ضعفاً، بل هي جرأة أن تكون إنساناً بكل ما تحمله الكلمة من تناقضات.

في لحظة صدق، قالت لي صديقة: “أحياناً، نضحك ليس لأننا سعداء، بل لأننا نريد أن نقتل الصوت الذي يصرخ في الداخل.” كلماتها جعلتني أفكر كم منا يرتدي أقنعة كل يوم، ثم ينسى كيف يكون وجهه الحقيقي.

هناك أيام نشعر فيها أن الظلام يغمر كل شيء، لكني مؤمنة بأن الأمل مثل النور الخفي، قد لا نراه، لكنه موجود. كالمصباح الذي يظل مضاءًا في غرفة مغلقة، ينتظر فقط من يفتح الباب.

في إحدى الليالي، بينما كنت أكتب هذه الكلمات، سمعت صوتاً خفيفًا خارج النافذة. نظرت فوجدت فراشة صغيرة تحاول الطيران تحت المطر. توقفت للحظة، ثم أدركت أن هذه الفراشة، رغم هشاشتها، تطير في عاصفة لأن لديها غريزة تدفعها نحو النور. ربما نحن أيضاً، رغم كل شيء، علينا أن نستمر في البحث عن النور.

الروح مثل مدينة قديمة، فيها أزقة مظلمة، وفيها ساحات عامة تضج بالحياة. قد نضيع أحياناً في شوارعها، لكننا في النهاية نجد طريقنا إلى بيتنا الداخلي، حيث تكمن الأشياء التي لا تموت: الحب، الذكريات، والأمل الذي لا ينضب.

فلا تيأس.. فما زال في العالم فراشات تطير تحت المطر، وما زال في قلبك نور قادر على إضاءة كل الظلام.