مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

فقدان الشغف

بقلم الدكتورة/ إسلام محمد
استشارية الصحة النفسية والإرشاد الأسري والزواجي
دكتوراه في التنمية البشرية وتطوير الذات
صاحبة كتاب البحث عن الذات وكتاب طوظ
عضوة بمنظمة حقوق الإنسان المصرية

-أوقات كثيرة نرغب في شيءٍ ما بشدة، ننتظره طويلًا، ونتعب في سبيل الوصول إليه، وحين يتحقق ونمتلكه، يهدأ الحماس، ويبهت الشغف، ونضعه جانبًا كأنه كان مجرد مرحلة وانتهت.
الأمر ذاته يتكرر مع الأشخاص؛ نبذل جهدًا كبيرًا من أجل القرب، نحارب الظروف ليبقوا في حياتنا، ثم بعد فترة نشعر أنهم أصبحوا عاديين، لا يختلفون كثيرًا عن غيرهم.
في علم النفس يُعرف هذا بما يُسمّى التعوّد العاطفي.
فالعقل البشري يميل إلى التعلّق بما يفتقده، ويمنحه قيمة عالية طالما هو بعيد أو صعب المنال، لكن بمجرد الامتلاك يبدأ الاعتياد، فينخفض الإحساس بالدهشة والقيمة، لا لأن الشيء فقد أهميته، بل لأن الإحساس الجديد الذي كان يصاحبه قد اختفى.
وهناك سبب آخر لا يقل أهمية، وهو التوقعات المبالغ فيها.
أحيانًا نُحمّل الأشخاص أو الأشياء ما يفوق قدرتهم، ننتظر منهم أن يملؤوا فراغنا الداخلي، أو أن يكونوا مصدر سعادتنا الوحيد، أو أن يغيّروا حياتنا بالكامل. وعندما لا تتحقق هذه التوقعات، يسقط الشغف، ويحل الإحباط.
كما أن كثيرين يخلطون بين الشغف والاحتياج؛
فنحتاج إلى شيءٍ ما في لحظة ضعف أو فراغ، وحين نستعيد قوتنا أو يتغير وضعنا النفسي، يزول الاحتياج، فنظن أن الشغف قد مات، بينما الحقيقة أنه لم يكن شغفًا من الأساس، بل محاولة لملء فراغ داخلي.
وفقدان الشغف قد يكون أيضًا نتيجة الإرهاق النفسي وتراكم الضغوط.
فالإنسان حين يعطي بلا توقف، ويؤجل راحته باستمرار، ويعيش في حالة استنزاف طويلة، يصل إلى مرحلة من الخدر الشعوري، لا لأن قلبه خلا من الإحساس، بل لأنه أُنهك.
العقل في هذه الحالة لا يرفض ما يحب، لكنه يطلب هدنة.
ولا يمكن إغفال دور الخوف؛
الخوف من الفشل، أو من التكرار، أو من خيبة الأمل، قد يدفع النفس إلى الانسحاب العاطفي كآلية دفاعية، فتظهر اللامبالاة وكأنها موت للمشاعر، بينما هي في حقيقتها وسيلة حماية.
فقدان الشغف إذن ليس دائمًا خيانة، ولا جحودًا، ولا نقصًا في الوفاء،
وأحيانًا يكون رسالة صادقة تدعونا إلى التوقف، والمراجعة، وفهم الذات بعمق أكبر.
أن نسأل أنفسنا بصدق:
هل فقدنا الشغف لأننا لم نعد نحب؟
أم لأننا لم نعد نعرف كيف نحب دون استنزاف؟
ليس كل ما فقد بريقه كان خطأ،
لكن ليس كل ما فقد شغفه يستحق الاستمرار.
والوعي هنا أهم من اللوم،
فالشغف الحقيقي لا يموت،
إنما يختبئ حين لا يجد بيئة نفسية آمنة ليزهر من جديد….